احساسا . . .
ولنستمع إلى فصل آخر من رسالته يقول :
" وأما ما ذكرتم من العثرة كانت في أبي الحسن نور الله وجهه ، فلعمري أنها
عندي للنهضة والاستقلال الذي أرجو به قطع الصراط ، والامن والنجاة من الخوف
يوم الفزع الأكبر ، ولا أظن عملا هو عندي أفضل من ذلك إلا أن أعود بمثلها إلى
مثله ، وأين لي بذلك وأين لكم بتلك السعادة . . . " .
لقد رد المأمون على أسرته التي عابت عليه عقده بولاية العهد للإمام الرضا
( عليه السلام ) وانه قد عثر بذلك عثرة لا تغفر ، فأجابهم انه قد خطا بذلك خطوة
كبرى لنهضة الأمة واستقلالها ، فقد رشح لزعامتها أفضل انسان على وجه الأرض
يقيم الحق ، وينشر العدل ، ويعيد للاسلام كرامته . . .
وهذا فصل آخر من هذه الرسالة يقول :
" وأما قولكم : إني سفهت آراء آبائكم ، وأحلام أسلافكم ، فكذلك قال
مشركو قريش : " إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون " ويلكم إن الدين
لا يؤخذ إلا من الأنبياء ، فافقهوا ، وما أراكم تعقلون " .
ورد المأمون بهذا الكلام على ما زعمته أسرته من أنه سفه آراء آبائه ، وأفسد
أحلام أسلافه ، وذلك ببره واحسانه إلى آل النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فان هذا
المنطق الهزيل قد تمسك به المشركون من قبل حينما دعاهم الرسول الأعظم إلى كلمة
التوحيد فرفضوا ذلك فقالوا : " انا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم
مقتدون " . . .
ولنستمع إلى الفصل الأخير من هذه الرسالة يقول :
" وأما تعييركم إياي : بسياسة المجوس ، وإياكم فما أذهبكم " الانفة " في ذلك ،
ولو ساستكم القردة والخنازير ، وما أردتم إلا أمير المؤمنين ، ولعمري لقد كانوا مجوسا
فأسلموا كآبائنا وأمهاتنا في القديم ، فهم المجوس الذين أسلموا ، وأنتم المسلمون
الذين ارتدوا ، فمجوسي أسلم خير من مسلم ارتد فهم يتناهون عن المنكر ، ويأمرون
بالمعروف ، ويتقربون من الخير ، ويتباعدون من الشر ، ويذبون عن حرم المسلمين ،
يتباهجون بما نال الشرك وأهله من النكر ، ويتباشرون بما نال الاسلام وأهله من
الخير . . . منهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا .
حياة الإمام الرضا ( ع ) — صفحة 323
مساهمون: الشيخ باقر شريف القرشي
ص٣٢٣