بوحي من عقيدته إلى نصرتهم والذب عنهم والتشهير بخصومهم وليس في ذلك أي
نقص عليه ، وانما هو فخر وشرف له .
إلى جنة المأوى :
وظل دعبل معظم حياته مجاهدا ومناضلا قد سخر من ملوك عصره الذين
استباحوا حرمات الله ، فهجاهم بأمر وأقذع ألوان الهجاء ، وقد طاردته السلطة ،
ورامت تصفيته جسديا ولكنه اختفى ، وراح يجوب في الأقطار يلاحقه الفزع
والخوف ، وهو القائل في تائيته الخالدة :
لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها * وإني لأرجو الامن بعد وفاتي
وقد أعلن بشجاعة فائقة استعداده للموت فقال : " لي خمسون سنة أحمل
خشبتي - اي خشبة الاعدام - على كتفي أدور على من يصلبني عليها فما أجد من يفعل
ذلك " .
وكانت نهاية دعبل على يد ذئب من ذئاب عصره وهو مالك بن طوق التغلبي
فقد طلبه فهرب إلى البصرة ، وكان واليا عليها إسحاق بن العباس العباسي وقد بلغه
هجاء دعبل له ، فأمر بالقاء القبض عليه ، فجئ به إليه مخفورا فدعا بالنطع والسيف
ليضرب عنقه ، فأنكر دعبل القصيدة التي قيلت في ذمه وان عددا له قالها ونسبها له
ليغري بدمه ، وجعل دعبل يتضرع إليه فأعفاه من القتل إلا أنه دعا بالعصي
والمقارع ، وانهال عليه ضربا بوحشية قاسية ثم خلى سبيله فهرب إلى ( الأهواز ) ( 1 ) .
وسارع مالك بن طوق فبعث رجلا حصيفا مقداما وأعطاه سما ، وأمره باغتيال
دعبل ، وأعطاه عوض هذه الجريمة عشرة آلاف درهم ، وانبرى الرجل مسرعا إلى
( الأهواز ) فجد في طلب دعبل فعثر عليه في قرية من نواحي ( السوس ) فاغتاله بعد
صلاة العتمة ، فضربه على ظهر قدمه بعكاز له زج مسموم فتسمم بدنه ، ومات في
غده ، ودفن بتلك القرية ، وقيل : بل حمل إلى ( السوس ) فدفن فيها ( 2 ) وانتهت بذلك
حياة هذا المجاهد الذي قارع الباطل بشجاعة ، وقد رثاه صديقه الشاعر الكبير أبو
تمام الطائي بهذه الأبيات :
هامش
( 1 ) الأغاني 18 / 60 .
( 2 ) الأغاني 18 / 60 .