بأن لا يذهب إليهم . وبذلك كان قد وصاه أخوه الحسين ( 1 ) : واتفقت كلمتهم
على أن هذا لا مصلحة فيه ، وأن هؤلاء يكذبونه ويخذلونه ، إذ هم أسرع
الناس إلى فتنة ، وأعجزهم فيها ، وأن أباه كان أفضل منه وأطوع في الناس ،
وجمهور الناس معه . ومع هذا فكان فيهم من الخلاف عليه والخذلان له ما الله
به عليم . حتى صار يطلب السلم بعد أن كان يدعو إلى الحرب . وما مات إلا
وقد كرهم كراهة الله بها عظيم . وقد دعا عليهم وتبرم بهم .
* فلما ذهب الحسين رضي الله عنه ، وأرسل ابن عمه عقيل ( 2 ) إليهم ،
وتابعه طائفة . ثم لما قدم عبيد الله بن زياد الكوفة ، قاموا مع ابن زياد ، وقتل
عقيل وغير هما . فبلغ الحسين ذلك ، فأراد الرجوع ، فوافه سرية عمر بن
سعد ، وطلبوا منه أن يستأسر لهم ، فأبى ، وطلب أن يردوه إلى يزيد بن عمه ،
حتى يضع يده في يده ، أو يرجع من حيث جاء ، أو يلحق ببعض الثغور ،
فامتنعوا من إجابته إلى ذلك ، بغيا وظلما وعدوانا . وكان من أشدهم تحريضا
عليه : شمر بن الجوشن ( 3 ) . ولحق بالحسين طائفة منهم ، ووقع القتل حتى
أكرم الله الحسين ومن أكرمه من أهل بيته بالشهادة ، رضي الله عنهم
وأرضاهم . وأهان بالبغي والظلم والعدوان من أهانه بما انتهكه من حرمتهم ،
واستحله من دمائهم * ( ومن يهن الله فما له من مكرم ، إن الله يفعل ما
يشاء ) * ( 4 ) وكان ذلك من نعمة الله على الحسين ، وكرامته له ، لينال منازل
الشهداء ، حيث لم يحصل له من أول الإسلام من الابتلاء والامتحان ما حصل
لسائر أهل بيته ، كجده ( ص ) ، وأبيه وعمه ، وعم أبيه رضي الله عنهم . فإن
بني هاشم أفضل القريش ، وقريشا أفضل العرب والعرب أفضل بني آدم ،
كما صح ذلك عن النبي ( ص ) ، قوله في الحديث الصحيح : ( إن الله اصطفى
هامش
( 1 ) كذا بالأصل والأصل ( الحسن )
( 2 ) مسلم بن عقيل : وهو رسول الحسين إلى عبيد الله بن زياد وقتله ابن زياد وكان أول رسول
مبعوث يقتل في الإسلام .
( 3 ) وشمر بن ذي الجوشن كان أبرص قبحه الله ولعنه ، وكان معروفا بشدة عدائه وسخيمته على أهل
البيت .
( 4 ) الحج ( 22 / 18 )