تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القواعد والفوائد — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
مساءة من لا يكرمه ولا يعظمه ، كالعدو ، والحية ، والعقرب ، بل إذا خطر بالبال مساءته ، أوقعها من غير تردد ، فصار التردد لا يقع إلا في موضع التعظيم والاهتمام ، وعدمه لا يقع إلا في مورد الاحتقار وعدم المبالاة . فحينئذ دل الحديث على تعظيم الله تعالى للمؤمن ، وشرف منزلته عنده عز وجل ، فعبر باللفظ المركب عما يلزمه ، وليس مذكورا في اللفظ ، وإنما هو بالإرادة والقصد ، فكان معنى الحديث : منزلة عبدي المؤمن عظيمة ، ومرتبته رفيعة . فدل على تصرف النية في ذلك كله . وقد أجاب بعض من عاصرناه عن هذا الحديث : بأن التردد إنما هو في الأسباب ، بمعنى أن الله تعالى يظهر للمؤمن أسبابا يغلب ظنه على دنو الوفاة ليصير على استعداد تام للآخرة ، ثم يظهر له أسبابا تبسط في أمله ، فيرجع إلى عمارة الدنيا ( 1 ) بما لابد منه . ولما كانت هذه بصورة التردد ، أطلق عليها ذلك استعارة [ و ] إذ كان العبد المتعلق بتلك الأسباب بصورة المتردد ، أسند التردد إليه تعالى ، من حيث أنه فاعل للتردد في العبد . وهو مأخوذ من كلام بعض القدماء الباحثين عن أسرار كلام الله تعالى : إن التردد في اختلاف الأحوال ، لا في مقدر الآجال . وقيل ( 2 ) : إنه تعالى لا يزال يورد على المؤمن سبب الموت حالا بعد حال ، ليؤثر المؤمن الموت ، فيقبضه مريدا له وإيراد تلك الأحوال المراد بها غايتها ، من غير تعجيل بالغايات ، من القادر على التعجيل ،
هامش
( 1 ) في ( ح ) و ( أ ) : دنياه . ( 2 ) قاله الخطابي . انظر : البيهقي / كتاب الأسماء والصفات : 495 .
القواعد والفوائد — صفحة 182 | الشهيد الأول / السيد عبد الهادي الحكيم