لم تحط بها علما قبل وقوعها آلات مراصدهم ؟ وهل الذين ينبئون عن الحوادث
الفلكية العادية والمنطبقة على نواميس قبل وقوعها ، وخاصة حوادث الكسوف
والخسوف بأشهر وسنين وبمئات السنين بل وبألوفها ، وفي حوادث الكسوفين
اللذين يحدثان في أفق دون آخر يشدون الرحال إلى بلد ذلك الأفق
لرصدهما ، فكيف كانوا غافلين عن مراقبة ذلك الحادث الفلكي الخارق ؟ وكيف
غاب عن أبصارهم مرآه وعن معارفهم حدوثه ؟ وكيف عميت عنه عيون العالمين ؟
إننا كنا في العام المزعوم وقوع تلك الحادثة الخارقة فيه في ميعة الشباب
وفي عهد دراسة العلم وفي نفوسنا نزوع إلى الوقوف على الحركة العلمية في
ذلك الزمن ، وكنا نطالع مجلته المقتطف التي كانت تعنى عناية خاصة بذكر كل
حدث فلكي أو جوي ميثولوجي ، وكان مثل هذا الحادث لو وقع أو كان مما
يمكن وقوعه من الحوادث التي لم تكن لتعرض عن تسجيلها وتدوينها وهي
تعتني بتسجيل الحوادث العادية الفلكية والجوية ولم تسجله ، لأنه لم يقع ولم
نره ولم نسمع به إلا يوم ظهر غلام أحمد القادياني ، أو ظهرت دعوته ودعواه
المسيحية مؤيدة بشهادته وشهادة تابعيه ، وكفي ولله حكمة باهرة في استدلالهم
على دعواهم بهذا الدليل المحقق عدم وقوع مضمونه ، ومنه يتبين قدر الوثوق
بما نسبوا لصاحبهم من خوارق وأنباء عن مغيبات ، وفي هذا الجواب تقوية
للجواب عن دليلهم الرابع .
ثم إن التسليم بهذا الحديث وفرض حدوث مضمونه كما يراه القاديانيون
وإن لم يره غيرهم ممن لا ينتحل نحلتهم معجزة على نبوة صاحبهم المزعوم أنه
المسيح ، يلزم إن صحت مسيحيته أن يتحقق مضمون الحديث الذي أخرجه
البخاري في صحيحه مسندا إلى أبي هريرة عنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
" والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا ، فيكسر
الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ،
حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها " ( 1 ) .
هامش
( 1 ) صحيح البخاري ، كتاب أحاديث الأنبياء ، باب 49 ( نزول عيسى ابن مريم ( عليه السلام ) ) ، ج 4 ، ص 172 .