5 - وبما علقناه على احتجاجه في الحديث الأول من إثبات انقطاع النبوة
بما لا مزيد عليه توهين للاحتجاج بهذا الحديث ، فراجعه وهو قريب .
الحديث الثالث : ما رواه مسلم والبخاري في صحيحيهما : " يبعث
دجالون كذابون قريب من ثلاثين " ( 1 ) ، واستدل بهذا الحديث على نبوة صاحبه ،
ووجه استدلاله أنه قال : كتب صاحب إكمال الاكمال في شرح صحيح مسلم
في سنة 828 ما نصه ، هذا الحديث قد ظهر صدقه ، فإنه لو عد من تنبأ من
زمنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لبلغ هذا العدد ، وعقب هذا الكلام بقوله : وإن تعيين العدد يدل على
إمكان مجئ نبي صادق ، وإلا لقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إن كل من يدعي النبوة يكون كذابا
دجالا بدون أن يذكر عددا معينا .
ولنا في نقض هذا الاستدلال وجوه :
1 - إن الحديث وارد مورد الخبر عما سيحدث في أمته بعده من
محدثات ، فهو كإخباره عن افتراقها إلى ثلاث وسبعين فرقة ، ولما كان هذا
الخبر على إطلاقه يفيد أحد أمرين : إما هلاك تلك الفرق كلها وإما نجاتها
كلها ، وكلا الأمرين على الإطلاق غير مراد قطعا ، فكان المقام مقام بيان
فأبان ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إن الناجية فرقة واحدة والباقون في النار . ولو كان يراد من الحديث
الذي نحن بصدده الخبر عن بعث دجالين كذابين قريب من الثلاثين كلهم مدع
للنبوة وعن بعثة أنبياء صادقين ، وأنه لم يرد منه مجرد الخبر عن ادعاء مثل ذلك
العدد من الدجالين الكذابين النبوة ، لكان المقام مقام أن يبين وأن يقول ( صلى الله عليه وآله وسلم )
ويبعث أنبياء صادقون ، ولو كان إرسال النبيين بعده ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مما يكن وقوعه ،
لكان من تمام الحجة ومن باب لطفه تعالى بعباده التصريح بأسمائهم أو
بأوصافهم ، فحيث لم يقع ذلك والمقام يقتضي البيان ، فلم يكن إرسال النبيين
مما سيقع أبدا على أن البيان كان على العكس بصريح الآية ( ولكن خاتم
النبيين ) والحديث " لا نبي بعدي " وبما سيجئ بعد .
هامش
( 1 ) صحيح البخاري ، كتاب الفتن ، الحديث رقم 7121 ، صحيح مسلم ، كتاب الفتن
وأشراط الساعة ، ح 2923 .