وقال صاحب الفلاحة : من أراد أن يعذب له الماء الزّعاق ( 1 ) جعله في قدر جديدة من خزف وغطَّى فاها بأسحال ( 2 ) ثم أوقد تحتها حتى تغلي ويحصل فيها نصف ذلك الماء ثم صفّاه وتركه ، فإنه يجده شروبا ( 3 ) . وقالوا : ماء دجلة يقطع شهوة الرجال ويذهب بصهيل الخيل ونشاطها ، ومن لم يأكل الدسم عليه انحلّ عظمه ويبس جلده ، وهو مع هذا أهضم للطعام من غيره من المياه وأسرعها بردا . قال : والنّيل يستقبل الشّمال وينضب في وقت زيادة الأودية ويزيد في وقت نقصانها . وزيادة أوّله وآخره معها ؛ ولا تكون التماسيح إلا فيه ؛ قال الشاعر [ بسيط ]
أضمرت للنّيل هجرانا ومقلية * إذ قيل لي إنّما التمساح في النيل ( 4 ) فمن رأى النيل رأيا العين من كثب * فما أرى النيل إلا في البواقيل ( 5 )
والسّقنقور ( 6 ) أيضا لا يخرج إلا منه . وروى في الحديث عن الضحّاك بن مزاحم أنه قال قذف الفرات في
هامش
( 1 ) الزّعاق : المرّ الغليظ .
( 2 ) الأسحال : جمع سحل وهو الخرقة البيضاء .
( 3 ) الشّروب : الصالح للشرب مع بعض كراهة .
( 4 ) مقلية : من القلى وهو البغض .
( 5 ) البواقيل : كبنران يشرب بها أهل مصر .
( 6 ) السّقنقور : صنف يتوالد من السّمك والتمساح ، فلا يشاكل السمك لأنّ له يدين ورجلين ، ولا يشاكل التمساح لأنّ ذنبه أجرد أملس عريض غير مضرّس ، وذكره ابن البيطار ، فقال : هو شديد الشبه بالورك ، يوجد بالرّمال التي تلي نيل مصر في نواحي صعيدها وهو ممّا يسعى في البرّ ويدخل الماء .