قال رجل : كنت بالبادية ، فرأيت ناسا حول نار ، فسألت عنهم فقالوا : صادوا حيّات فهم يشتوونها ويأكلونها ، فأتيتهم فرأيت رجلا منهم قد أخرج حيّة من الجمر ليأكلها فامتنعت عليه ، فجعل يمدّها كما يمدّ عصيب ( 1 ) لم ينضج ، فما صرفت بصري عنه حتّى لبج ( 2 ) به فمات ، فسألت عن شأنه فقيل لي : عجل عليها قبل أن تنضج وتعمل في سمّها النار . قال رجل من الأعراب لولده : اشتروا لي لحما ، فاشتروه فطبخه حتى تهرّى ( 3 ) ، وأكل منه حتى انتهت نفسه ، وشرعت إليه عيون ولده فقال : ما أنا بمطعمه أحدا منكم إلا من أحسن وصف أكله : فقال الأكبر منهم : آكله يا أبت حتى لا أدع لذرّة فيه مقيلا ؛ قال : لست بصاحبه . فقال الآخر : آكله حتى لا يدرى ألعامه هو أم لعام أوّل ؛ قال : لست بصاحبه . فقال الأصغر : أدقّه يا أبت دقا وأجعل إدامه المخّ ؛ قال : أنت صاحبه ، هو لك . بينا أعرابيّ يسير وهو يوضع ( 4 ) بعيره إذ سقط بعيره فنحره وأكله ، فأنشأ يقول : [ رجز ]
عيون الأخبار — صفحة 235
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٢٣٥
إنّ السّعيد من يموت جمله * يشبع لحما ويقلّ عمله
ومرّ رجل من سلول بفتيان يشربون فشرب معهم ؛ فلما أخذ منه الشراب قام إلى بعيره فنحره ، وقال : [ رمل ]
علَّلاني إنّما الدّنيا علل * ودعاني من ملام وعذل
وانشلا ما اغبرّ من قدريكما * واسقياني أبعد الله الجمل ( 5 )
هامش
( 1 ) العصيب : من العصب ، وهي العروق المنتشرة في الجسم .
( 2 ) لبج به : يقال لج به ولبط به إذا صرع .
( 3 ) تهرّى : تفتّت من الطبخ .
( 4 ) يوضع بعيره : يعديه ويحثه على العدو السريع .
( 5 ) نشل اللحم : اخرجه من القدر .