منه ريح ؛ فقال له : ما أسرع ما لفحتك يا بن عمّ . وعن الأصمعيّ قال : قال شيخ من أهل المدينة : أتيت فلانا فأتاني بمرقة كان فيها مسقّى ( 1 ) ، فلم أر فيها إلا كبدا طافية ، فغمست يدي فوجدت مضغة ( 2 ) ، فمددتها فلامتدّت حتى كأني أزمر في ناي . أدخل أعرابيّ على كسرى ليتعجّب من جفائه وجهله ؛ فقال له : أيّ شيء أطيب لحما ؟ قال : الجمل . قال : فأيّ شيء أبعد صوتا ؟ قال : الجمل . قال : فأيّ شيء أنهض بالحمل الثقيل ؟ قال : الجمل . قال كسرى : كيف يكون لحم الجمل أطيب من البطَّ والدّجاج والفراخ والدّرّاج ( 3 ) والجداء ؟ قال : يطبخ لحم الجمل بماء وملح ، ويطبخ ما ذكرت بماء وملح حتى يعرف فضل ما بين الطعمين . قال : كيف يكون الجمل أبعد صوتا ونحن نسمع الصوت من الكركيّ ( 4 ) من كذا وكذا ميلا ؟ قال الأعرابيّ : ضع الكركيّ في مكان الجمل وضع الجمل في مكان الكركيّ حتّى تعرف أيّهما أبعد صوتا . قال كسرى : كيف تزعم أنّ الجمل أحمل للحمل الثقيل والفيل يحمل كذا وكذا رطلا ؟ قال : ليبرك الفيل ويبرك الجمل وليحمل على الفيل حمل الجمل ، فإن نهض به فهو أحمل للأثقال . عن جعفر بن سليمان قال : شيئان لا يزيدهما كثرة النفقة طيبا : الطَّيب والقدر ، ولكن تطيّبهما إصابة القدر . وفيما أجاز لنا عمرو بن بحر الجاحظ من كتبه ( 5 ) قال : كان أبو عبد
عيون الأخبار — صفحة 221
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٢٢١
هامش
( 1 ) المسقّى : من السّقاء ، وهو الحساء وغيره من الأطعمة السائلة .
( 2 ) المضغة : قطعة اللحم .
( 3 ) الدّراج : طائر يشبه الحجل جميل المنظر ملوّن الريش .
( 4 ) الكركي : طائر يقرب من الإوز أبتر الذّنب رماديّ اللون في خدّه لمعات سود ، قليل اللحم ، صلب العظم ، يأوي إلى الماء أحيانا .
( 5 ) قد أورده الجاحظ هذه القصة في كتابه البخلاء ( ص 115 ط أوروبا ) .