تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون الأخبار — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩

وحسن الأسى ( 1 ) عنه » . حدّثني عبد الرحمن بن الحسين السعيديّ عن محمد بن مصعب أنّ ابن السمّاك قال يوم مات داود الطائيّ في كلام له : إن داود رحمه اللَّه نظر بقلبه إلى ما بين يديه من آخرته ، فأعشى بصر القلب بصر العين ، فكان كأنه لا ينظر إلى ما إليه تنظرون ، وكأنكم لا تنظرون إلى ما إليه ينظر ، فأنتم منه تعجبون وهو منكم يعجب ، فلما رآكم راغبين مذهولين مغرورين قد أذهلت الدنيا عقولكم وأماتت بحبّها قلوبكم استوحش منكم ، فكنت إذا نظرت إليه نظرت إلى حيّ وسط أموات . يا داود ، ما أعجب شأنك بين أهل زمانك ! أهنت نفسك وإنما تريد إكرامها ، وأتعبتها ، وإنما تريد راحتها ، أخشنت المطعم وإنما تريد طيبه وأخشنت الملبس وإنما تريد لينه ، ثم أمتّ نفسك قبل أن تموت ، وقبرتها قبل أن تقبر ، وعذّبتها ولمّا تعذّب ، وأغنيتها عن الدنيا لكيلا تذكر ، رغبت نفسك عن الدنيا فلم ترها لك قدرا إلى الآخرة ، فما أظنّك إلا وقد ظفرت بما طالبت ؛ كان سيماك في سرّك ولم يكن سيماك في علانيتك ، تفقّهت في دينك وتركت الناس يغنّون ، وسمعت الحديث وتركتهم يحدّثون ، وخرست عن القول وتركتهم ينطقون ، لا تحسد الأخيار ، ولا تعيب الأشرار ، ولا تقبل من السلطان عطيّة ، ولا من الإخوان هدّية ؛ آنس ما تكون إذا كنت باللَّه خاليا ، وأوحش ما تكون آنس ما يكون الناس ؛ فمن سمع بمثلك وصبر صبرك وعزم عزمك ! لا أحسبك إلا وقد أتعبت العابدين بعدك ، سجنت نفسك في بيتك فلا محدّث لك ولا جليس معك ولا فراش تحتك ولا ستر على بابك ولا قلَّة يبرّد فيها ماؤك ولا صحفة يكون فيها غداؤك وعشاؤك ، مطهرتك قلبك

هامش
( 1 ) الأسى : ج أسوة وهي ما يأتسي به الحزين أي يتعزّى .
عيون الأخبار — صفحة 339 | ابن قتيبة الدينوري