وإنما أتى أبو بكر الأنصار واعظا ومحتجا ، ومسكنا ومصلحا بألين
الكلام وأحسن الهدى ، لم يحمل سوطا ولا سيفا ، ولم يظهر معازة
ولا أراد المغالبة ( 1 ) . فما وجه خروج الزبير بسيفه شادا نحوه ؟ ! بل
كان أشبه الأمور بالزبير وأولاها به ، والذي يجب علينا أن نظنه به ،
أن يقوم محتجا ومصلحا . فإذا أبان عن حجته وأعذر في موعظته فلم ير
ذلك ناجعا ( 2 ) ولا مقبولا ، ورأى شيئا يجوز به حمل السيف والشد به ،
كان من وراء ذلك .
وكيف علمتم أن الزبير إنما سل سيفه ليؤكد لعلى إمامته أو ليوطئ
له خلافته ؟ ! ولعله إنما أراد الامر لنفسه دون غيره . ولعله إنما
غضب لصرف الامر من خاله وكبيره وشيخه العباس بن عبد المطلب
فكيف علمتم أنه إنما أراد صرفها عن أبي بكر خاصة ؟ ! وكيف يشد
على رجل لم يقل بايعوني ولا أظهر الحرص عليها ، وإنما كره أن
يبقى الناس نشرا ، وعلم أن على الأنصار أن يسمعوا للمهاجرين . وقد قال
للناس : " بايعوا أي هذين شئتم " يعنى أبا عبيدة وعمر ، إلا أن يكون
الزبير قال : ولم كنت أنت المحتج على الأنصار والمعرف لهم فضل
المهاجرين عليهم دون على .
ويقال لهم عند ذلك : أما بادي الرأي والذي لا نشك فيه نحن
ولا أحد ممن خالفنا ، فالذي كان من مناصبة الزبير لعلى ومحاربته له
دون الإمامة ، وزعمه أنه أفضل منه وأولى بها منه ، ولو جعلها شورى
لفرعه وبرز عليه .
هامش
( 1 ) في الأصل : " معارة إلا أراد المغالبة " . والمعازة : المغالبة في العزة .
( 2 ) في الأصل : " فاجعا " .