فلما انتهى إليه أمرهم ، وعرف جميع ما عليه طبائعهم وعللهم ،
وطبائع أتباعهم ، لم يكن شئ أهم إليه من البدار إليهم قبل أن
يستفحل الشر ، ويتمكن العزم . فمر حثيثا وتبعه عمر ، ولحقه أبو عبيدة
في نفر من قريش ، فيمر بالناس حلقا عزين وهم يبكون ويتحدثون ،
فيقبل عليهم فيقول : أنتم جلوس تفركون أعينكم وفى الاسلام العسا
البدار ، وقيل البوار ( 1 ) .
فلو لم يتداركهم بحيطته ويقظته وصدق حسه ، وأبطأ عنهم ريثما كانوا
يتطارحون الرأي ، ويستثيرون دفين الحسد حتى يتمكن ذلك الحسد ،
وتتمثل لهم صورة الظفر ، فلو هجم عليهم أبو بكر في ضعف من بالمدينة
من قريش ، لم يكن في طاقتهم دفعهم ، والدار دارهم ، والبلاد بلادهم
والبادية باديتهم ، ومن فيها تبع لهم ، فكان من صنيع الله أن كان هو
الذائد والقائم . والحارس ، والعاطف والمداوى ، ولم يكلهم الله إلى نظرهم
واختيارهم ، فيكون ذلك فسادهم وهلكتهم .
فإن قالوا : فما معنى قول أبو بكر للأنصار حين أتاهم : " إن هذا
الامر ليس بخلسة ، قد علمتم معشر قريش [ أنا ] أكرم العرب
أحسابا ، وأيقنها أنسابا ، وأنا عترة النبي صلى الله عليه وأصله ، والبيضة
التي تفقأت عنه " ؟
فلم يذكر أبو بكر قريشا وأحسابها وعترة النبي صلى الله عليه والبيضة
التي تفقأت عنه ، إلا وهو يرى أن له عليهم بهذا من الفضل ما ليس لهم ،
ومن السبب إلى الخلافة ما ليس لهم . فقد ينبغي أن يكون لبنى هاشم على
هذا القياس من الفضل والسبب ما ليس لبنى تيم .
هامش
( 1 ) كذا في الأصل .