قلنا لهم : إن أبا بكر لم يقل هذا القول وهو يريد معنى مذهبكم
فيه ، مع أنكم قد قطعتم الكلام ، لأنه قال : " فإنه لم يكن فينا فكان
يوبخ ( 1 ) به وإنا نحن المهاجرون وأنتم الأنصار ، وإن الله لم يذكرنا
وإياكم في شئ من القرآن إلا بدأ بذكرنا قبلكم ، فمنا الامراء
ومنكم الوزراء " .
فلم يقل أبو بكر : " قد علمتم يا معشر قريش أنا أكرم العرب أحسابا ،
وأيقنها أنسابا ، وأنا عترة النبي وأصله " ، وهو يريد أن يخبر أن الرياسة
في الدين تستحق لغير الدين ، والخلافة أعظم رياسات الدين ، فعلى حسب
ذلك تحتاج إلى العمل الصالح .
ولكن أبا بكر خطب على قوم كانوا يرون للحسب قدرا ، وللقرابة
سببا ، فأتاهم من مأتاهم ( 2 ) وأخذهم من أقرب مآخذهم ، واحتج عليهم
بالذي هو عندهم ، ليكون أقطع للشغب ، وأسرع للقبول . وليس في كل
المواضع تفسير لحجة أمثل من إظهار الجملة ، وتعريف الناس الغاية ،
وحملهم على أدق الحجج وأصوبها . ولربما أخفى الامام ( 3 ) كثيرا مما يريد
بالناس عنهم ، للذي . . . من بعضهم عن فضله ، وضيق صدورهم عن سعة
فضله ، بل يعلم أنه لو أطلعهم طلع إرادته ( 4 ) ، والذي عزم عليه من
صلاحهم ، كانوا أسرع إلى طلب بغضه من عدوهم .
هامش
( 1 ) كذا في الأصل .
( 2 ) في الأصل : " من أتاهم " .
( 3 ) في الأصل : " الاهتمام " .
( 4 ) في اللسان : " وفى حديث ابن ذي يزن ، قال لعبد المطلب : أطلعتك طلعه .
أي أعلمتكه ، الطلع ، بالكسر : اسم من اطلع على الشئ . إذا علمه " .