والطعام ، ولكان غير مأمون أن ينضم إليهم من حول المدينة من
المرتدين ، ممن بدل إسلامه ساعة بلغته وفاة النبي صلى الله عليه .
ولو صاروا إلى ذلك لكانوا أقوى من المهاجرين والأنصار ، إذ كانوا
جميعا نشرا ( 1 ) وقلوبهم شتى ، وبأسهم بينهم . ولكان غير مأمون
عند ذلك أن يغزوهم مسيلمة في أهل اليمامة قاطبة مع من حولها من أهل
البادية . ثم كان غير مأمون أن يستمد بجميع أهل الردة ممن نكث ( 2 )
ونصب العداوة .
وجميع ما قلنا إنه كان غير مأمون ، لم نقله إلا بأسباب قد كانت
هناك قائمة معروفة ، فما عسى نقمه ( 3 ) المهاجرون والأنصار على ما وصفنا
ونزلنا .
فقد صدق أبو بكر وصدق عمر أن تلك البيعة كانت فلتة وأعجوبة وغريبة .
إذ سلمت على كل ما وصفنا من أسباب الهلكة ، وهى سربخ ( 4 ) ،
وليس دونها ستر ولا رد ( 5 ) . فكانت بيعته يمنا وبركة أنقذ الله بها
من الهلكة ، وجمع بها من الشتات ، ورد بها الاسلام في نصابه ، بعد
تخلعه واضطرابه . فأماتت السخيمة ، وأودعت القلوب السلامة ، وجمعتها
على الألفة .
هامش
( 1 ) النشر : المتفرقون . وفى حديث عائشة : " فرد نشر الاسلام على غره " أي رد
ما انتشر من الاسلام إلى حالته .
( 2 ) في الأصل : " لئن بكت " .
( 3 ) كذا في الأصل .
( 4 ) السربخ : الأرض الواسعة البعيدة الارجاء . في الأصل : " سوغ " .
( 5 ) الرد ، بالكسر : ما يرد الشئ . أنشد في اللسان :
* فكن له من البلايا ردا *
أي معقلا يرد عنه البلاء .