وقد دل أبو بكر على مذهبه في الأحساب في أول خطبة خطبها
على المهاجرين والأنصار . حين قال في كلامه :
" وعليكم بتقوى الله ، فإن أكيس الكيس التقوى ، وأحمق الحمق
الفجور ، وإني متبع ولست بمبتدع ، فإن أحسنت فأعينوني ، وأن
زغت فقوموني ، أيها الناس إنه لم يدع الجهاد قوم قط إلا ضربهم
الله بذل ، ولم تشع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم بالبلاء ، أيها
الناس اتبعوا كتاب الله ، واقبلوا النصيحة ، فإن الله يقبل التوبة ،
ويعفو عن السيئة ، واحذروا الخطايا التي لكل بني آدم منها نصيب ،
ولكن خيرهم من اتقى الله ، واتقوا يوما لا ينفع فيه حميم ولا شفيع يطاع " .
ألا تراه ذكر جميع بني آدم ثم قال : ولكن خيرهم أتقاهم كما قال الله :
" إن أكرمكم عند الله أتقاكم " ثم قال : " اتقوا يوما لا ينفع فيه حميم
ولا شفيع ، فقد أخبر عن نفسه ومذهبه في ذلك المقام بغاية ما يتكلم به
أصحاب التسوية . فكأن أبا بكر إنما قال : فإن كان هذا الامر معشر
الأنصار إنما يستحق بالحسب ، ويستوجب بالقرابة فقريش أكرم منكم
حسبا ، وأقرب منكم قرابة ، وإن كان إنما يستحق بالفضل في الدين
فالسابقون الأولون من المهاجرين المقدمون عليكم في جميع القرآن أولى به
منكم . لان أبا بكر ذكر في صدر كلامه الحسب والقرابة ، وفى عجزه
فضل المهاجرين على الأنصار . فلما أبصر القوم وجه الحجة ، وقررهم بما لم
يزل عليه قبل ذلك طبائعهم ، لحقوا بالطاعة وأعطوا المقادة .
وكيف يكون كبار الأنصار أفضل من كبار المهاجرين ، وقد سبقهم
المهاجرون وأسلموا قبلهم بالسنين قبل السنين ، والأنصار بعد على دين
العثمانية — صفحة 202
مساهمون: الجاحظ
ص٢٠٢