وإجماع الناس كلهم على الصواب أمر لا ينال ، ولكن إذا كانت
الأمة قد أطبقت على طاعة رجل على غير الرغبة والرهبة ، ثم لم يكن
اغترارا ولا إغفالا ، فلس في شذوذ رجل ولا رجلين دلالة على انتقاض
أمره ، وفساد شأنه .
وليس يحتج بهذا وشبهه إلا رجل جاهل بطبائع الناس وعللهم ،
ولو كان هذا وشبهه ناقضا لامامة أبى بكر . كانت إمامة على أنقض
وأفسد ، لان الدنيا انكفت بأهلها عليه ( 1 ) وماجت بساكنيها . . .
من ولايته ، وتداعت من أقطارها ، تريد محاربته ، حتى لقد نازعه
فيها من ليس في مثل حاله ولا شرف موضعه ، ولا في فضيلة دينه
فناهضه الحرب ، ونازله القتال . . . بيعته ، والتج ( 2 ) عليه الخلاف من أهل
طاعته ، وموضع الجد في عسكره ، فرد بأسه في أصحابه ، وصرف كيده
إلى جنده ، وجلس خلى الذرع ، رضى البال ، [ في ] عجب الفاتن
وسرور المخادع ، وعز المصيب ، وبأو الأريب ( 3 ) . ثم بعث رسولا قد اختاره
بالحكم عليه وله ، وبعث خصمه رسولا قد اختاره بالحكم عليه وله .
فكان رسوله المخدوع ورسول خصمه المخادع ، ثم رجعت الأمور إلى
خصمه ، وانتزعت منه ومن ولده مرة بالبطش ، ومرة بالحيلة .
ثم كان يرى من خلاف أصحابه واضطراب جنده وتبديل أصحابه مثل
ما يرى خصمه من طاعة خاصته . ونصرة جنده ، وثبات عهد أصحابه ،
فلم يكن ذلك عارا عندنا ولا عندكم على على ، ولا دليلا على نقص رأيه ،
هامش
( 1 ) في الأصل : " على " .
( 2 ) التج : اختلط . في الأصل " والفح " .
( 3 ) البأو : الكبر والفخر .