يقول هذا من لا يعرف قدر ذلك المقام في الصدور ، وكيف طبائع قريش
وأنفة العرب .
فإن قالوا : كيف يكون أبو بكر إماما ولم يجتمع المسلمون على إمامته
والرضا به ؟ ! وقد قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير ، وقال سلمان :
" كرداذ ونكرداذ ( 1 ) " . وقال خالد بن سعيد : أرضيتم معشر
بنى عبد مناف هذا . وقال أبو سفيان بن حرب مثل مقالته ، وخرج
الزبير بسيفه شادا ( 2 ) ، فلما رآه عمر قال : دونكم الكلب . وجلس
على [ في ] منزله واعتل بأنه آلى ألا يبرح حتى يجمع القرآن .
قيل لهم : ليس الامر على ما تقولون ولو كان الامر على ما تقولون
ما كان خلاف هؤلاء ناقضا لامره . لان الرجل إذا كان أفضل الناس
وأكمله وأنفعه للمسلمين وأرده عليهم ( 3 ) ، فعليهم إقامته والتسليم له ،
والرضا به ، لان كل ما عددت لك من فضله هم كانوا أعلم به ،
إذ كانوا يسافرون معا ويقيمون معا ، وكانوا أعنى بمعرفة الخير ،
وأسرع إلى العلم به منا ومن أهل دهرنا .
ولو كان أبو بكر تنتقض إمامته ، وكان عليه اعتزال ذلك المقام ،
بخلاف ( 4 ) رجل أو رجلين أو ثلاثة ، كان أولى الناس بأن يكون له في الإمامة
هامش
( 1 ) كلمتان فارسيتان معناهما " صنعتم ولم تصنعوا " كرداد بمعنى التشييد والتأسيس
وإقامة الشئ . والنون علامة للنفي في الفارسية ، انظر ما سيأتي في الكلام ص 179 وكذا
معجم استينجاس 1022 .
( 2 ) في الأصل : " شاذا " . وفى الطبري 3 : 198 : " مصلتا بالسيف " :
( 3 ) أي أكثرهم نفعا . وفى اللسان : " هذا الامر أرد عليه ، أي أنفع له " .
( 4 ) في الأصل : " خلاف " . وانظر ما سيأتي في صفحة 177 .