فأحب لشهوته له أن يشركه فيه أشبه الناس به فدعا ربه ، وأنه
إذ دعا ربه ثلاث مرار كل ذلك يستجيب له ، وكل ذلك يراه أنس
ويكذب له ويصده عن حاجته ، ويمنعه سرعة الاستجابة ، وتعجيل
قضاء الحاجة ، وتسويغه أكل المشتهى من طعامه . كلما دعا دعوة قال
اخرج يا أنس فانظر من بالباب ، ثقة منه بربه ، واتكالا على الذي
عنده له ، ويرجع وقد كتمه وحجبه عنه ، ومنعه سرور تعجيل الدعاء ،
وأكل شهى الغذاء .
فإن كان أنس كما تقولون فقد ركب أمرا عظيما ، وذهب مذهبا قبيحا .
وكيف يصدق على النبي صلى الله عليه من خلقه بهذا ( 1 ) وكذبه في وجهه
ثم لا تمنعه الأولى من الثانية ، والثانية من الثالثة . هذا والوحي ينزل
بأسرع من الطرف بلعن قوم ومدح آخرين .
وإن امرأ احتملت نفسه وشاع في طبعه أن يواجه النبي صلى الله عليه
بالكذب ثلاث مرات في أحب الناس وأوجبهم حقا عليه ، لحري ألا يصدق
عليه في معظم أمر الدين ، مع أن الحديث نفسه هو أضعف حديث عند
أصحاب الأثر من ( 2 ) أن يحوجنا إلى الاطناب فيه ، والاخبار عنه .
ومتى ادعينا ضعف حديث وفساده فاتهمتم رأينا ، وخفتم ميلنا
أو غلطنا فاعترضوا حمال الحديث وأصحاب الأثر ، فإن عندهم الشفاء فيما
تنازعنا فيه ، والعلم بما التبس علينا منه .
هامش
( 1 ) كذا في الأصل : " ولعله وجه .
( 2 ) كذا ورد الأسلوب ، وفيه استعمال " من التفضيلية " مع أفعل التفضيل المضاف ،
كقول قيس بن الخطيم :
نحن بغرس الودي أعلمنا * منا بركض الجياد في السدف