والاحتمال والدفع ، وهم جميع ، لكان ذل من أقام ووحشته أقل ،
ونفوسهم أطيب .
والدليل على فضيلة مقام أبى بكر على ظعنهم أنهم حيث هاجروا
ونزلوا بالنجاشي والأنصار فنزلوا بأكرم منزول به ، فكانوا في ذراه
آمنين ، رافهين وادعين ، إلا ما كان من قصة جعفر ، وسعاية عمرو .
وإحماش النجاشي وتهييجه ( 1 ) . فما كان ذاك إلا صدر نهار حتى جعل
الله العاقبة للمتقين . وأبو بكر والنبي من الوحدة والقلة ، والجفوة والوحشة ،
وخفة ذات اليد ، والسب والإهانة ، والخوف بالقدر الذي لا يأتي عليه قول
وإن كثر ، ولا يبلغه وهم وإن اتسع .
وهكذا روينا عن الضحاك وقتادة وأبى بكر الهذلي في تأويل هذه
الآية : أن الله عاتب جميع المؤمنين بها غير أبى بكر . ولو لم يكن رواية ( 2 )
ولم يفسر ذلك صاحب تأويل ، لم يجز أن يكون تأويله غير الذي قلنا ،
للذي شرحنا وفصلنا .
ولو كانت هذه المخاطبة وقعت على الخاذلين والعادين ، أو على الخاذلين
دون العادين والمؤمنين ، لقد كان لأبي بكر في الآية ما ليس لأحد ، فكيف بها
هامش
( 1 ) أما جعفر بن أبي طالب ، فكان سببا في إسلام النجاشي حين أبان له حقيقة الدين
وشرح له ما يدعو إليه ، وأما عمرو بن العاص - وهو أحد رجلين كانت قريش أرسلتهما
إلى النجاشي ليرد عليهم المؤمنين المهاجرين ليفتنوهم كما فتنوهم من قبل . والآخر هو عبد الله
ابن أبي ربيعة - فإنه سعى سعيا حثيثا لدى النجاشي في ذلك ، وحاول أن يفسد نجاحهما في دعوة
النجاشي إلى الدين ، وكان مما قاله في تهييج النجاشي : " أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن
مريم قولا عظيما " ولكنه أخفق في ذلك وتم إسلام النجاشي ، السيرة 215 - 225 .
( 2 ) في الأصل : " ولم كان يكن " مع خط على " كان " .