فيقول له : " لعل الله أن يجعل لك صاحبا " فيزداد بها أبو بكر قوة ،
وتحدث له بها همة . وهذه كلمة ما قالها النبي صلى الله عليه لمستأذن قبله ،
فيعلم أبو بكر عند ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عناه ، فيشجع
من نفسه ، ويشد من منته ، طمعه في شرف الصحبة ، وإكرامه إياه
بفضيلة المرافقة .
وقد استأذن النبي صلى الله عليه الناس [ قبله ( 1 ) ] بسنين ، فكان
أولهم أبو سلمة بن عبد الأسد ( 2 ) ، وآخرهم عمر بن الخطاب ، لقرب حال عمر
في الفضل والصبر من حال أبى بكر . فكأنه خاطب المهاجرين ، على التعريف
لهم بفضيلة ( 3 ) صبر أبى بكر على صبرهم . مشحذة لهم على إعطاء الجهد ،
وترغيبا لهم في غاية الصبر في مستقبل الأمور وحوادث الامتحان . فكأنه
قال : إذا لم تستتموا الصبر ، ولم تبلغوا غاية الجهد ، ولم تصبروا ما أقام ، فقد
نصرته أنا إذ أخرجته ثاني اثنين .
والدليل على ما قلنا قول عمر لقريش حين بادأهم العداوة ، ونصب لهم
الحرب ، وأحس من نفسه بالجلد وشدة الشكيمة ، وقوة العزيمة :
" أما والله أن لو قد صرنا مائة لتركتموها لنا إن تركناها لكم "
يعنى مكة .
فلو كان جميع من هاجر إلى الحبشة وأتى المدينة على مثل هذا العزم
هامش
( 1 ) تكملة يفتقر إليها الكلام .
( 2 ) اسمه عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي ، أسلم بعد
عشرة أنفس ، وكان أخا النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاع . الإصابة 4774 .
( 3 ) في الأصل : " فضيلة " .