تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
يتبين به انتساخه . والدليل عليه أنه لا خلاف بيننا وبين الخصم على جواز نسخ التلاوة دون الحكم ، ونسخ تلاوة الكتاب إنما يكون بغير الكتاب ، إما بأن يرفع حفظه من القلوب ، أو لا يبقى أحد ممن كان يحفظه نحو صحف إبراهيم ومن تقدمه من الأنبياء عليهم السلام ، وهذا نسخ الكتاب بغير الكتاب ، وقد جاء في الحديث أن رسول الله ( ص ) قرأ في صلاته سورة المؤمنين فأسقط منها آية ثم قال بعد الفراغ ألم يكن فيكم أبي فقال : نعم يا رسول الله . فقال : هلا ذكرتنيها فقال : ظننت أنها نسخت . فقال : لو نسخت لأنبأتكم بها فقد اعتقد نسخ الكتاب بغير الكتاب ولم ينكر ذلك عليه رسول الله ( ص ) ، فإذا ثبت جواز نسخ التلاوة بغير الكتاب فكذلك جواز نسخ الحكم ، لان وجوب التلاوة والعمل بحكمه كل واحد منهما حكم ثابت بالكتاب . والدليل على جواز نسخ الحكم الثابت بالكتاب بغيره أن قوله تعالى : * ( لا يحل لك النساء من بعد ) * قد انتسخ باتفاق الصحابة ، على ما روي عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما أنهما قالا : ما خرج رسول الله ( ص ) من الدنيا حتى أبيح له النساء . وناسخ هذا لا يتلى في الكتاب ، فعرفنا أنهم اعتقدوا جواز نسخ الكتاب بغير الكتاب . فأما قوله تعالى : * ( نأت بخير منها أو مثلها ) * فهو يخرج على ما ذكرنا من التقرير ، فإن كل واحد من الحكمين ثابت بطريق الوحي ، وشارعه علام الغيوب وإن كانت العبارة في أحدهما من حيث الظاهر لرسول الله ، فيستقيم إطلاق القول بأن الحكم الثاني مثل الأول أو خير منه على معنى زيادة الثواب والدرجة فيه ، أو كونه أيسر على العباد ، أو أجمع لمصالحهم عاجلا وآجلا ، إلا أن الوحي المتلو نظمه معجز والذي هو غير متلو نظمه ليس بمعجز ، لأنه عبارة مخلوق ، وهو عليه السلام وإن كان أفصح العرب فكلامه ليس بمعجز ، ألا ترى أنه ما تحدى الناس إلى الاتيان بمثل كلامه كما تحداهم إلى الاتيان بمثل سورة من القرآن . ولكن حكم النسخ لا يختص بالمعجز ، ألا ترى أن النسخ يثبت بما دون الآية وبآية واحدة ، واتفاق العلماء على صفة الاعجاز في سورة وإن تكلموا فيما دون
أصول السرخسي — صفحة 75 | أبو الوفاء الأفغاني / السرخسي