ومن التعليل بالحكم ما يقوله علماؤنا في بيع المدبر ( إنه تعلق عتقه بمطلق
الموت فإن التعلق حكم ثابت بالتعليق فيكون ذلك استدلالا ) بحكم على حكم ،
وإنما جاز هذا كله لان الدليل الذي يثبت به كون الوصف حجة في الحكم
قد ثبت بالدليل أنه علة الحكم شرعا .
ثم لا خلاف أن جميع الأوصاف التي يشتمل عليها اسم النص لا تكون
علة ، لان جميع الأوصاف لا توجد إلا في المنصوص والحكم في المنصوص
ثابت بالنص لا بالعلة ، ولا خلاف أن كل وصف من أوصاف المنصوص
لا يكون علة للحكم بل العلة للحكم بعضها ، فإن الحنطة تشتمل على أوصاف
فإنها مكيلة موزونة مطعومة مقتات مدخر حب شئ جسم ، ولا يقول أحد
إن كل وصف من هذه الأوصاف علة لحكم الربا فيها بل العلة أحد هذه
الأوصاف . واتفقوا أنه لا يتخير المعلل حتى يجعل أي هذه الأوصاف شاغلة
من غير دليل ، لان دعواه لوصف من بين الأوصاف أنه علة بمنزلة دعواه
الحكم أنه كذا ، فكما لا يسمع منه دعوى الحكم إلا بدليل فكذلك
لا تسمع منه الدعوى في وصف أنه هو العلة إلا بدليل .
ثم اختلف العلماء في الدليل الذي به يكون الوصف علة للحكم . قال
أهل الطرد : هو الاطراد فقط من غير أن يعتبر فيه معنى معقول . وتفسير
الاطراد عند بعضهم : وجود الحكم عند وجود ذلك الوصف . وعند بعضهم
يشترط أن يوجد الحكم عند وجوده وينعدم عند عدمه ، وأن يكون المنصوص
عليه قائما في الحالين ولا حكم له . وعند بعضهم يعتبر الدوران وجودا
وعدما . فأما قيام الحكم في المنصوص ( عليه في الحالين ) ولا حكم له
فهو مفسد للقياس لا أن يكون مصححا له . وقال جمهور الفقهاء : انعدام الحكم
عند عدم العلة لا يكون دليل صحة العلة ووجود الحكم عند عدم العلة لا يكون دليل
أصول السرخسي — صفحة 176
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٧٦