تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
لان الحكم يدور معه وجودا وعدما ، والمنصوص عليه وهو ( الحنطة بالحنطة ) قائم في الحالين ولا حكم له . وجواب أهل الفقه عن هذه الكلمات ظاهر ، فإن الظواهر الدالة على جواز العمل بالقياس بالاتفاق لا تدل على أن كل وصف من أوصاف الأصل صالح لان يكون علة ، فإنه لو كان كذلك لتحير المعلل وارتفع معنى الابتلاء بطلب الحكم في الحوادث أصلا ، وإذا اتفقنا على أن دلالة هذه النصوص لوصف من بين أوصاف الأصل قد ابتلينا بطلبه حين أمرنا بالاعتبار ، فلا بد من أن يكون في ذلك الوصف معنى معقول يمكن التمييز به بينه وبين سائر الأوصاف ليوقف عليه ، وما هذا إلا نظير النصوص المثبتة لصفة الشهادة لهذه الأمة ، فإن ذلك لا يمنع القول باختصاص الصلاحية ببعض الأوصاف واختصاص الأداء بلفظ الشهادة من بين سائر الألفاظ ، وهذا لان أوصاف النص تعلم بالحس أو السماع وذلك يشترك فيه أهل اللغة وغيرهم ممن له حاسة صحيحة مع الفقهاء ، ثم التعليل بالقياس لاثبات الحكم قد اختص به الفقهاء ، فعرفنا أن اختصاصهم بذلك لم يكن إلا لمعنى معقول في الوصف الذي هو علة لا يمكن الوقوف عليه إلا بالتأمل من طريق الفقه . وقوله علل الشرع أمارات . قلنا : هي أمارات من حيث إنها غير موجبة بذواتها ولكنها موجبة للحكم بجعل الشرع إياها موجبة العمل بها ، ومعلوم أنه لا يمكن العمل بها إلا بعد معرفة عينها ، وطريق ذلك التعيين بالنص أو الاستنباط بالرأي ، وقد انعدم التعيين بالنص ولا يتأتى فيه الاستنباط بالرأي إذا لم يكن الحكم معقول المعنى ، لان العقل طريق يدرك به ما يعقل كما أن الحس طريق يدرك به ما يحس دون ما لا يحس ، وليس هذا نظير الأحكام الثابتة بالنص غير معقول المعنى ، لان النص موجب بنفسه ، فإنه كلام من يثبت علم اليقين بقوله وقد حصل التعيين بالنص هناك ، فكونه غير معقول المعنى لا يعجزنا عن العمل به ، فأما التعليل ببعض الأوصاف فهو غير موجب بنفسه وإنما يجب العمل به بطريق أنه إعمال الرأي ليتوصل به إلى الحجة في حكم شرعي ، وما لم يكن معقول المعنى لا يتأتى إعمال الرأي فيه .