تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
وأما علماؤنا فقد شرطوا الدليل المميز ، ولكن بطريق آخر سوى ما ذكره الشافعي على ما نذكره في بابه ( إن شاء الله ) وشرطوا قبل ذلك أن يقوم الدليل في الأصل على كونه معلولا في الحال ، لان النصوص نوعان : معلول ، وغير معلول ، والمصير إلى التعليل في كل نص ، بعد زوال هذا الاحتمال ، وذلك لا يكون إلا بدليل يقوم في النص على كونه معلولا في الحال . وإنما نظيره مجهول الحال إذا شهد ، فإنه ما لم نثبت حريته بقيام الدليل عليه لا تكون شهادته حجة في الالزام ، وقبل ثبوت ذلك بالدليل الحرية ثابتة بطريق الظاهر ، ولكن هذا يصلح للدفع لا للالزام ، فكذلك الدليل الذي دل في كل نص على أنه معلول ثابت من طريق الظاهر وفيه احتمال ، فما لم يثبت بالدليل الموجب لكون هذا النص معلولا لا يجوز المصير إلى تعليله لتعدية الحكم إلى الفروع ، ففيه معنى الالزام ، وهو نظير استصحاب الحال ، فإنه يصلح حجة للدفع لا للالزام لبقاء الاحتمال فيه . فإن قيل : أليس أن الاقتداء برسول الله ( ص ) في أفعاله جائز ما لم يقم الدليل المانع ، وقد ظهرت خصوصيته في بعض الأفعال ، ثم لم يوجب ذلك الاحتمال في كل فعل حتى يقال لا يجوز الاقتداء به إلا بعد قيام الدليل ؟ قلنا : رسول الله ( ص ) إمام مقتدى به ، ما بعث إلا ليأخذ الناس بهديه وهداه ، فيكون الاقتداء به هو الأصل وإن كان قد يجوز أن يكون هو مخصوصا ببعض الأشياء ، ولكن الخصوصية في حقه بمنزلة دليل التخصيص في العموم والعمل بالعام مستقيم حتى يقوم دليل التخصيص ، فكذلك الاقتداء به في أفعاله . فأما هنا فاحتمال كون النص غير معلول ثابت في كل أصل مثل احتمال كونه معلولا ، فيكون هذا بمنزلة المجمل فيما يرجع إلى الاحتمال ، والعمل بالمجمل لا يكون إلا بعد قيام دليل هو بيان ، فكذلك تعليل الأصول ، يوضحه أن هناك