بإجماعهم فيما أجمعوا عليه ، إذ الدعاء إلى الحجة واجب ، ولان قول الواحد
منهم لو كان حجة لم يجز لغيره مخالفته بالرأي كالكتاب والسنة ، وقد رأينا
أن بعضهم يخالف بعضا برأيه فكان ذلك شبه الاتفاق منهم على أن قول الواحد
منهم لا يكون مقدما على الرأي . ولا يدخل على هذا إجماعهم ، فإن مع بقاء
الواحد منهم مخالفا لا ينعقد الاجماع ، وبعد ما ثبت الاجماع باتفاقهم لو بدا
لأحدهم فخالف لم يعتد بخلافه أيضا على ما بينا أن انقراض العصر ليس بشرط
لثبوت حكم الاجماع ، وأن مخالفة الاجماع بعد انعقاده كمخالفة النص .
وجه ما ذهب إليه أبو سعيد البردعي وهو الأصح أن فتوى الصحابي فيه
احتمال الرواية عمن ينزل عليه الوحي ، فقد ظهر من عادتهم أن من كان عنده
نص فربما روى وربما أفتى على موافقة النص مطلقا من غير الرواية ، ولا شك
أن ما فيه احتمال السماع من صاحب الوحي فهو مقدم على محض الرأي ،
فمن هذا الوجه تقديم قول الصحابي على الرأي بمنزلة تقديم خبر الواحد
على القياس ، ولئن كان قوله صادرا عن الرأي فرأيهم أقوى من رأي غيرهم ،
لأنهم شاهدوا طريق رسول الله ( ص ) في بيان أحكام الحوادث
وشاهدوا الأحوال التي نزلت فيها النصوص والمحال التي تتغير باعتبارها
الاحكام ، فبهذه المعاني يترجح رأيهم على رأي من لم يشاهد شيئا
من ذلك ، وعند تعارض الرأيين إذا ظهر لأحدهما نوع ترجيح وجب الاخذ
بذلك ، فكذلك إذا وقع التعارض بين رأي الواحد منا ورأي الواحد منهم
يجب تقديم رأيه على رأينا لزيادة قوة في رأيه ، وهكذا نقول في المجتهدين
في زماننا ، فإن على أصل أبي حنيفة إذا كان عند مجتهد أن من يخالفه في الرأي
أعلم بطريق الاجتهاد ، وأنه مقدم عليه في العلم فإنه يدع رأيه لرأي من
عرف زيادة قوة في اجتهاده ، كما أن العامي يدع رأيه لرأي المفتي المجتهد لعلمه بأنه متقدم
عليه فيما يفصل به بين الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه ، وعلى قول أبي يوسف
ومحمد لا يدع المجتهد في زماننا رأيه لرأي من هو مقدم عليه في الاجتهاد من أهل
عصره لوجود المساواة بينهما في الحال وفي معرفة طريق الاجتهاد ، ولكن هذا
لا يوجد فيما بين المجتهد منا والمجتهد من الصحابة ، فالتفاوت بينهما في الحال لا يخفى
أصول السرخسي — صفحة 108
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٠٨