تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
بإجماعهم فيما أجمعوا عليه ، إذ الدعاء إلى الحجة واجب ، ولان قول الواحد منهم لو كان حجة لم يجز لغيره مخالفته بالرأي كالكتاب والسنة ، وقد رأينا أن بعضهم يخالف بعضا برأيه فكان ذلك شبه الاتفاق منهم على أن قول الواحد منهم لا يكون مقدما على الرأي . ولا يدخل على هذا إجماعهم ، فإن مع بقاء الواحد منهم مخالفا لا ينعقد الاجماع ، وبعد ما ثبت الاجماع باتفاقهم لو بدا لأحدهم فخالف لم يعتد بخلافه أيضا على ما بينا أن انقراض العصر ليس بشرط لثبوت حكم الاجماع ، وأن مخالفة الاجماع بعد انعقاده كمخالفة النص . وجه ما ذهب إليه أبو سعيد البردعي وهو الأصح أن فتوى الصحابي فيه احتمال الرواية عمن ينزل عليه الوحي ، فقد ظهر من عادتهم أن من كان عنده نص فربما روى وربما أفتى على موافقة النص مطلقا من غير الرواية ، ولا شك أن ما فيه احتمال السماع من صاحب الوحي فهو مقدم على محض الرأي ، فمن هذا الوجه تقديم قول الصحابي على الرأي بمنزلة تقديم خبر الواحد على القياس ، ولئن كان قوله صادرا عن الرأي فرأيهم أقوى من رأي غيرهم ، لأنهم شاهدوا طريق رسول الله ( ص ) في بيان أحكام الحوادث وشاهدوا الأحوال التي نزلت فيها النصوص والمحال التي تتغير باعتبارها الاحكام ، فبهذه المعاني يترجح رأيهم على رأي من لم يشاهد شيئا من ذلك ، وعند تعارض الرأيين إذا ظهر لأحدهما نوع ترجيح وجب الاخذ بذلك ، فكذلك إذا وقع التعارض بين رأي الواحد منا ورأي الواحد منهم يجب تقديم رأيه على رأينا لزيادة قوة في رأيه ، وهكذا نقول في المجتهدين في زماننا ، فإن على أصل أبي حنيفة إذا كان عند مجتهد أن من يخالفه في الرأي أعلم بطريق الاجتهاد ، وأنه مقدم عليه في العلم فإنه يدع رأيه لرأي من عرف زيادة قوة في اجتهاده ، كما أن العامي يدع رأيه لرأي المفتي المجتهد لعلمه بأنه متقدم عليه فيما يفصل به بين الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه ، وعلى قول أبي يوسف ومحمد لا يدع المجتهد في زماننا رأيه لرأي من هو مقدم عليه في الاجتهاد من أهل عصره لوجود المساواة بينهما في الحال وفي معرفة طريق الاجتهاد ، ولكن هذا لا يوجد فيما بين المجتهد منا والمجتهد من الصحابة ، فالتفاوت بينهما في الحال لا يخفى