( إحداهما ) ان المفتي إذا مات سقط قوله بموته بحيث لا يعتد به .
( وثانيهما ) ان ما هذا شأنه لا يجوز الاستناد اليه ولا العمل به شرعا .
« أما الأولى » فللإجماع على أن خلاف الفقيه الواحد لسائر أهل العصر يمنع من انعقاد الإجماع اعتدادا بقوله فإذا مات وانحصر أهل العصر بالمخالفين له انعقد الإجماع وصار قوله لا يعتد به ولا يعتنى به شرعا .
« وأما الثانية » فظاهرة . ( وجوابه ) ان هذا إنما يوجب عدم الاعتداد بقوله في الصورة المذكورة أما لو فرض ان أهل عصره مختلفون في الفتوى بحيث يكون موته غير موجب لانعقاد الإجماع فلا دليل حينئذ على عدم الاعتداد بقوله . مضافا إلى أن هذا مبني على طريقة خاصة في استفادة رأي المعصوم من الإجماع ولعلها قريبة من طريقة اللطف في الإجماع وهي طريقة قد قرر في محله عدم صحتها فلا تصلح دليلا على عدم الاعتداد بقول الميت .
( الدليل الخامس ) ما احتج به أيضا المحقق الثاني في حاشيته على الشرائع من أن دلائل الفقه لما كانت ظنية
لم تكن حجيتها إلا باعتبار الظن والفهم الحاصل منها وهذا الظن والفهم يمتنع أن يبقى بعد الموت لضعف الإدراكات بضعف الأبدان ولذا يذهب الظن ويزول العلم بضعف البدن بهرم أو مرض أو حال النزع وقد أخبر بذلك اللَّه تعالى في محكم كتابه * ( وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ) * وعليه فتبقى الفتوى خالية عن السند بعد الموت فكما انه تزول حجية الفتوى بتبدل نظر المجتهد لأنه يزول مستندها فكذا إذا مات زال مستندها فتزول عنها الحجية وتخرج عن كونها معتبرة شرعا ولا ينقض بالغفلة والاغماء والنوم لوجود الظن في خزانة النفس . وفيه انه منقوض بصورة النسيان للمستند فإنه عند النسيان تبقى الفتوى معتبرة شرعا مع ذهاب الظن عن خزانة النفس عند النسيان وقد تقدم ذلك في مبحث وجوب تجديد النظر على المجتهد . ثمَّ انه منقوض بالرواية
النور الساطع في الفقه النافع — صفحة 351
مساهمون: الشيخ علي بن محمد رضا كاشف الغطاء
ص٣٥١