الرئيسي للانحراف هو عدم اشباع الحاجات الانسانية الأساسية للمنحرفين من قبل
النظام الاجتماعي . فالانحراف عموماً لا يحتاج إلى معلم ؛ فالسارق الجائع يعرف
بالغريزة كيف يفعل فعلته ، والقاتل يعرف بالغريزة كيف يقتل ، والغاصب في مجتمع
منحل يعرف كيف يتعامل مع ضحيته . وفي كل هذه الجرائم يكون الدافع والحاجة عاملين
مهمين من عوامل ارتكاب الفعل نفسه . أضف إلى ذلك : ان هذه النظرية تقصر عن
التمييز ما بين الانحراف الاقتصادي والانحراف الأخلاقي والسياسي ، وتعجز عن تفسير
ظهور الانحراف بين افراد الطبقة الرأسمالية الذين لا يرتبطون بأية فئة منحرفة
اجتماعياً .
ويعتقد ( أميلي ديركهايم ) مؤسس نظرية ( القهر الاجتماعي ) بأن الانحراف ظاهرة
اجتماعية ناتجة عن القهر والتسلط الاجتماعي الذي يمارسه بعض الافراد ضد البعض
الآخر ( 1 ) . فالفقر باعتباره انعكاساً صارخاً لانعدام العدالة الاجتماعية بين
الطبقات ، يولد رفضاً للقيم والأخلاق الاجتماعية التي آمن بها الرعيل الأكبر من
افراد النظام الاجتماعي . وما الانحراف الا صورة من صور ذلك الرفض الاجتماعي .
والفرد الذي لا يصل إلى تحقيق أهدافه عن طريق الوسائل المقررة اجتماعياً ، يسلك
مسلكاً منحرفاً يؤدي به إلى هدفه كالسرقة ، والرشوة ، والبيع الذي يحرمه القانون
. وهنا يلعب القهر الاجتماعي دوراً في توليد ضغط لدى بعض الافراد كي ينحرفوا
اجتماعياً .
هامش
( 1 ) ( أميلي ديركهايم ) . تقسيم العمل في المجتمع . جيلنكو ، الينوي : المطبعة
الحرة ، 1964 م . الطبعة الأولى صدرت في عام 1893 م .