الرأي معاكس تماماً لرأي النظرية الرأسمالية ، التي ترى على ضوء أفكار ( أميلي
ديركهايم ) ، بأن الجريمة ضرورية لتماسك المجتمعات الانسانية ، لأنها تعرف حدود
السلوك المقبول ( 1 ) . وهذه الفكرة الرأسمالية الغربية يرفضها الاسلام رفضاً
قاطعاً ، لأن هذه الرسالة السماوية حددت أبعاد السلوك المقبول اجتماعياً عبر
النصوص الشرعية المتمثلة بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، دون ضرورة
الرجوع إلى تشجيع الجريمة في النظام الاجتماعي . فإذا كانت عقوبة جناية القتل
واضحة للافراد وهي القصاص في حكم الله ، فكيف يكون وقوع هذه الجناية سبباً لتماسك
النظام الاجتماعي ؟ إلا تكفي جدية النظام الاجتماعي في انزال العقوبة بالمخالفين
نظريا ، سببا في الردع والتماسك الاجتماعي ؟ وإذا كانت أبعاد السلوك المقبول
معرفة في الرسالة التي يؤمن بها افراد النظام الاجتماعي ، فكيف يكون ارتكاب
الجريمة تعريفاً لحدود السلوك المقبول ؟ أليس هذا دليلاً على ضعف النظام
الاجتماعي الذي لا يتماسك افراده إلا بمشاهدة الجريمة والتماس العقوبة التي تلحقها
؟
ومع أن الرسالة السماوية العظيمة ، قد حددت وعرفت السلوك المقبول شرعياً ، وعلى
أساسه وضعت مباني الثواب والعقاب ، إلا أنها مع ذلك ، صممت نظاماً قضائياً فريداً
لم تشهد له البشرية مثيلاً في تاريخها الطويل ؛ فوضعت شروطاً للقاضي ، والمدعي ،
والمدعى عليه ، والشهود . أوجبت ، وأكدت وجوبها مراراً على اجتهاد وعدالة القاضي
، لان المظلوم
هامش
( 1 ) ( أميلي ديركهايم ) . الاشكال البدائية للحياة الدينية : دراسة في علم
الاجتماعي الديني . نيويورك المطبعة الحرة ، 1947 م . الطبعة الأولى عام 1912 م .