ذلك ، الجهد العلمي الذي يؤدي إلى الاجتهاد في علوم الدين ، وبالخصوص الفقه
والأصول . وعملية الاجتهاد هذه ، تعتبر جزءاً من نظرية التسخير ، فاجتهاد المجتهد
وعلمه ينبغي أن يسخر كلياً لخدمة الأمة ، بالتوافق مع حاجتها ، وبالتناسب مع
طموحاتها في انشاء نظام اجتماعي سياسي ديني متكامل .
ولكن الحركة الاجتهادية في الفقه والأصول قاست في العصور الاسلامية الأولى
انعزالاً سياسياً أدى إلى تحديد الهدف الاجتماعي من التعليم . فبدلاً من تعميم
مفهوم التعليم وجعله حقاً لكل فرد ، سعت السلطات السياسية الحاكمة إلى الحفاظ على
مستوى من الجهل والتخلف الفكري السائد بين الافراد آنذاك ، لأن السلطات كانت تشعر
ان نشر العلم بين افراد الأمة سيؤدي إلى هز الكيان السياسي الظالم وتقويض أركانه
. وكان من نتائج هذا الانعزال تقلص النظرة الاجتماعية للفقه الاسلامي ، وظهور
الاتجاه الفقهي الذي يهتم بشؤون الفرد أكثر من اهتمامه بشؤون الأمة . وانصب
اهتمام الفقهاء بالحث على تحصيل العلوم الدينية المتمثلة بالفقه والأصول وعلوم
الحديث واللغة والمنطق بالقلة المختارة من الافراد ، بينما أهمل تعليم الافراد
عموماً ؛ بل إن الأمة الاسلامية باتت على قسمين ، القسم الأول والأكبر سماهم
الفقهاء ب ( العوام من الناس ) وهم الذين لا يجيدون القراءة ، والثاني : وهم
الطلبة والعلماء . وهذه التسمية في حد ذاتها تعطي انطباعاً ظاهرياً بان العلم في
الاسلام انما وجد للخاصة فحسب ، وبقية الناس ينطبق عليهم اصطلاح العوام . وكأن
التكليف الشرعي لا يحث
النظرية الإجتماعية في القرآن الكريم — صفحة 106
مساهمون: زهير الأعرجي
ص١٠٦