وليس هناك أدنى شك من أن الاعمال التي يقوم بها الفرد في حياته العملية تحتاج
إلى كمية من العلوم ، تقدرها المصلحة الاجتماعية . فالطب وتخطيط المدن وجمع الحطب
مثلاً تحتاج إلى علوم تتناول تلك الاختصاصات . فعلم التشريح والعقاقير والكيمياء
يطور علم الطب ، ودراسة القياسات ومعرفة علم المساحة وتربة الأرض ومواد البناء
تساعد في علم تخطيط المدن ، ودراسة الأشجار وأخشابها وطريقة قطعها وأسلوب نقلها
يساعد الأفراد المهتمين بعملية جمع الحطب واستخدامه في عملية توليد الطاقة . وفي
كل تلك الأمثلة يكون العلم الاختصاصي هو المحور والمدار في تطوير المهنة التي
يقوم بها العامل المختص . وبطبيعة الحال ، فان الاختصاص ليس القطب الوحيد الذي
عرضه الاسلام ضمن اهتمامه بالعلوم التطبيقية ، بل طرح فكرة التسخير أيضاً ،
باعتبارها منهجاً عملياً للتفاعل الاجتماعي : ( ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ
بعضهم بعضاً سخرياً ) ( 1 ) . وهي إشارة - كما ذكرنا سابقاً - إلى أن النظام
الاجتماعي لا يحيا الا عن طريق تسخير جهود الافراد الشخصية لخدمة بعضهم البعض في
شتى المجالات الحياتية الضرورية للبقاء البشري على الأرض ، حيث تقوم العلوم
التخصصية في عملية التسخير بدور العامل المساعد في تطوير تلك العملية وتسهيلها
خدمة للنظام الاجتماعي العام وأفراده . ولم تتوقف فكرة التسخير على الاعمال
اليدوية والأعمال القائمة على الجهد الانساني العضلي ، بل تعدت إلى الجهد العلمي
والفكري الذي يقوم به الانسان . ومن
هامش
( 1 ) الزخرف : 32 .