وصول
وصل
قال بعض أهل النظر [ 6 ] ، « أمّا البرهان الموضح تحقيق كون وجوده سبحانه عين ماهيّته و أن ليست له حقيقة وراء الوجود ، فهو أنّه لو كان له وجود و ماهيّة ، لكان مبدأ الكلّ اثنين ، و كلّ اثنين محتاج الى واحد هو مبدأ الاثنين .
و المحتاج الى مبدأ لا يكون مبدأ للكلّ .
شرح
[ 6 ] و قال بعضهم ، كلّ مفهوم مغاير للوجود ، كالإنسان مثلا ، فانّه ما لم ينضمّ اليه الوجود في نفس الأمر بوجه من الوجوه ، لم يكن موجودا فيه قطعا ، بل ، و ما لم يلاحظ العقل انضمام الوجود اليه ، لم يمكن الحكم بكونه موجودا .
فكل مفهوم مغاير للوجود ، فهو في كونه موجودا في نفس الأمر محتاج الى غيره ، الذي هو الوجود . و كلّ ما هو محتاج في كونه موجودا الى غيره ، فهو ممكن ، إذ لا معنى للممكن الَّا ما يحتاج في وجوده الى غيره ، أي يحتاج في كونه موجودا و في اتّصافه بالوجود الى غيره . فكل مفهوم مغاير للوجود ، فهو ممكن ، و لا شيء من الممكن بواجب . فلا شيء من المفهومات المغايرة للوجود بواجب .
و قد ثبت بالبرهان أنّ الواجب موجود . فهو لا يكون الَّا عين الوجود الذي هو الموجود بذاته ، لا بأمر مغاير لذاته . و ما عداه لا يكون موجودا الَّا به ، كالضوء ، فانّه مضيء بذاته ، لا بضوء آخر ، و ما عداه لا يكون مضيئا الَّا به . فان قلت ، قد يتّجه على المقدّمة القائلة ، « كلّ ما هو محتاج في كونه موجودا الى غيره ، فهو ممكن » ، منع لطيف ، و هو أنّ المحتاج في كونه موجودا الى غير - هو موجده - ممكن قطعا ، لا المحتاج في كونه موجودا الى غير هو وجوده ، قلنا ، يندفع ذلك به نظر دقيق ، و هو أنّه لمّا احتاج في موجوديّته و كونه متّصفا بالوجود الى غيره ، فقد استفاد ذلك من غيره و صار معلولا له موقوفا في ذلك عليه . و كلّ ما هو كذلك ، فهو ممكن ، سواء سمّى ذلك الغير الموقوف عليه « وجوده » أو « موجده » . و ممّا يؤيّد أنّ الوجود هو عين الواجب أنّ الوجود في حدّ ذاته ينافي العدم ، و هو أبعد المفهومات عن قبول العدم ، إذ كلّ ما عداه ، فانّه لا يمتنع لذاته عن قبول العدم ، بل بواسطة الوجود . و لا شكّ أنّ الواجب هو الذي ينافي لذاته قبول العدم ، لا ما ينافيه بواسطة غيره . منه .