تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
الأمطار متواترة الهطل والبروق تلمع ، وأصداء الجبال والأودية بأصوات الرّعود للقلوب تصدع ، حتى ظن أهلها أنها قد أزفت الآزفة ، فارتفعت الأصوات بأن ليس لها من دون الله كاشفة ، ولفت الرؤس ، ووجلت القلوب ، وذرفت العيون ، وطاشت الألباب ، وخضعت الرقاب ، ومدت الأيدي بالدعاء لمن بيده أمر الأرض والسماء ، وعاينوا في ذلك اليوم هولا عظيما ، وأشفقوا أن يكون أرسل الله عليهم عذابا أليما ، فبينما الناس على ذلك الحال ذاهلين ، يقولون * ( رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) * [ 1 ] إذ دهمهم سيل عظيم ماؤه ، طام عبابه هام سحابه ، له دوى شديد ، قد اجتمع من عيون الجبال وبطون الأودية وقرار الوهاد ، فالتقى الماء على أودية بأمر قد قدر ، إن في ذلك لآية فهل من مدّكر [ 2 ] ، فارتفع العويل ، وسكبت العبرات ، واشتد الخوف ، وتضاعفت الحسرات ، وفر كل واحد من الناس يطلب النجاة لنفسه ، واحتسب عند الله جميع ماله وعقاره وغرسه ، فأخذ هذا السيل العظيم ما كان في ممرّه من الدور والقياسير والأسواق ، ودخل الطواحين والبساتين ، وأخذ جانبا من حارة المشارقة المجاورة للوادي ، وأخذ العرصة وسوق الأدميّين ، وسوق القطانين ، وبعض دار الطعن وسوق الأقباعين ، وسوق الخليع ، وقيسارية التجار المعروفة بإنشاء الأمير سيف الدين بكتمر ، والقيسارية القديمة ، وأخذ من قيسارية ملك الأمراء الموقوفة على البيمارستان بصفد عشرين حانوتا ، وضعضع بقية الجدر ، وهدم الأبواب وهدم سوق الصاغة ، وهدم سوق النامية ، الذي بقرب العين ، وهدم وقف الجامع ، وسوق السقطيين ، وأما السوق المعروف بإنشاء الأمير علاء الدين بن معبد وسوق اللحامين وحوانيت الخبّازين فإنه أخذه ، وأخذ السوق المعروف بإنشاء الأمير سيف الدين النائب كان بقلعة عجلون ، والحوانيت المعروفة بوقف القاضي فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة بالديار المصرية الموقوفة على مدرسته بنابلس وأخذ المدرسة النفيسيّة [ 3 ]
هامش
[ 1 ] سورة الأعراف 23 . [ 2 ] اقتباس لأسلوب القرآن ، في الآية الكريمة * ( وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ؟ ) * . [ 3 ] في « ك » النفيسة » وصوابه « النفيسية » وهى « بالرصيف ، قبلي المارستان الدقاقى ، وباب الزيارة ( وهو باب الجامع الأموي القبلي ) قال الذهبي في العبر : أنشئت سنة 696 ه ، وهى منسوبة إلى النفيس إسماعيل بن محمد بن عبد الواحد بن صدقة الحراني ثم الدمشقي ناظر الأيتام ، وواقف النفيسية بالرصيف ( الدارس في تاريخ المدارس 1 / 114 ) .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 269 | النويري