تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
الصالح دمشق كما تقدم ، ولاه قضاء بعلبك وأعمالها وقرر له معلوما كثيرا ، وكان قد وصل في صحبته ، ولما ملك الديار المصرية حضر إليه فأكرمه ، وفوض إليه القضاء بمصر والوجه القبلي ، ثم بالقاهرة والوجه البحري كما تقدم ذكر ذلك ، وولى الوزارة كما تقدم أيضا في أيام الملك المنسور نور الدين بن الملك المعز ، وكان ، رحمه اللَّه تعالى ، مكينا عند السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ، وكان الأمير فخر الدين بن الشيخ بكرهه ، فكتب إلى السلطان الملك الصالح يذكر عنه أنه يأخذ من نوابه الأموال ، ومن يعدله من الشهود ، وأشباه ذلك ، فأجابه السلطان في طرة كتابه : « يا أخي فخر الدين : للقاضي بدر الدين على حقوق عظيمة لا أقوم بشكرها ، والذي وليناه قليل في حقه ، وما قمت له بما يجب على من مكافأته » ، فلم يعاوده الأمير فخر الدين في أمره ، وبقيت هذه الورقة عنده في جملة أوراقه ، فلما قتل وخلف بنتا صغيرة ، احتاط ديوان الأيتام على موجوده فوجدوا هذه الورقة فحملوها إلى القاضي بدر الدين ، فأوقف الناس عليها ، وكان رحمه اللَّه تعالى ، كريما كثير الاحتمال ، كثير المروءة ، حسن العشرة ، يقبل الاعتذار ، ولا يكافىء على السيئة بمثلها ، بل يحسن لمن ظهرت إساءته ، ويبره بماله ويستميله باحسانه ، إلا أنه شهر عنه في ولاية القضاء قبول هدايا النواب ، حتى قيل إنه ربما كان قرر على كل منهم ما لا يحمله في كل مدة في مقابلة ولايته على قدر الولاية ، وكذلك أيضا من يقصد إنشاء عدالته حتى كثر المعدلون في أيامه ، ووصل إلى العدالة من ليس من أهلها ، ولما ولى قاضى القضاة تاج الدين أسقط كثيرا من عدوله ، ولقد جاء بعد ذلك زماننا وأدركت بقايا عدوله فكانوا أميز العدول وأجلّ الناس ، ومنهم من لي قضاء القضاة وبلغ ، رحمه اللَّه تعالى ، خمسة وثمانين سنة وثلاثة أشهر ، رحمه اللَّه تعالى .