ولما مات الملك الناصر صلاح الدين ، وملك الملك العادل دمشق ، سار متوجها إلى الشام . وكتب إلى الملك العادل قصيدته الرّائيّة ، واستأذنه في الدخول إلى دمشق . ووصفها وصف ما قاسى في الغربة ، ولما فرغ من وصف دمشق وأنهارها وبساتينها ومستنزهاتها ، قال في قصيدته :
فارقتها لا عن رضى ، وهجرتها
لا عن قلى ، ورحلت لا متخيّرا
أسعى لرزق في البلاد مشتّت
ومن العجائب أن يكون مقتّرا
وأصون وجه مدائحى متقنّعا
وأكفّ ذيل مطامعى متستّرا
جاء منها في شكوى الغربة ، وما قاساه منها :
أشكو إليك نوى ، تمادى عمرها
حتى حسبت اليوم منها أشهرا
لا عيشتى تصفو ولا رسم الهوى
يعفو ، ولا جفنى يصافحه الكرى
أضحى عن الأخوى المريع محلَّا « 1 »
وأبيت عن ورد النّمير « 2 » منفرّا
ومن العجائب أن تفيّأ ظلَّكم
كلّ الورى ، ونبذت وحدى بالعرا
فلما وقف العادل على هذه القصيدة ، أذن له في الدخول إلى دمشق ، فدخلها .
هامش
« 1 » حلَّاه عن الماء : طرده ومنعه . « القاموس » . والأحوى : الأرض المخضرّة أو المرعى . فالمعنى : أنه يضحى عن المرعى الخصيب مطرودا .
« 2 » النمير : الغدير الصافي .