تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
فسايره الأمير همام الدين مودود ، وقال له : « أترى هل نكون ههنا في مثل هذا اليوم من العام المقبل ؟ » فقال له نور الدين : « لا تقل هكذا ، قل هل نكون ههنا بعد شهر ؟ فإن السنة بعيدة » ورجع إلى القلعة ، وختن ابنه وأصابته العلة ، فمات بعد عشرة أيام . ومات الأمير همام الدين قبل استكمال الحول . ودفن نور الدين بقلعة دمشق ، ثم نقل إلى مدرسته التي بناها بجوار سوق الخواصين بدمشق وقبره هناك مشهور . وأما سيرته وأفعاله رحمه اللَّه تعالى فإنه أفرغ وسعه في الجهاد ، واستنقذ من أيدي الفرنج ما ذكرناه . وكان ثابتا في حروبه ، وبنى المدارس والمساجد والربط والبيمارستان والخانات والطرق والجسور ، وجدد القنى وأصلحها ، وأوقف الوقوف على معلمي الخط لتعليم الأيتام ، وعلى سكان الحرمين الشريفين ، وأقطع أمراء العرب الإقطاعات حتى كفوا عن التعرض إلى الحاج . وبنى أسوار المدن والحصون التي هدمتها الزلزلة التي ذكرناها في أخبار الدولة العباسية . وكان رحمه اللَّه مواظبا على الصلاة في الجماعة ، حريصا على فعل الخير ، عفيف البطن والفرج ، مقتصدا في الإنفاق والمطاعم والملابس ، لم تسمع منه كلمة فحش في رضاه ولا في سخطه وعاقب على شرب الخمر قال الشيخ عز الدين أبو الحسن علي بن عبد الكريم الجزري المعروف بابن الأثير رحمه اللَّه : « قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام وفيه إلى يومنا هذا فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ملكا أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين