وسار الحسن بن أحمد بعد ذلك إلى مصر ، فنزل بعسكره عين شمس ، وناشب المغاربة القتال ، وانبثت سراياه في أرض مصر وبعث عمّالا إلى الصعيد تجبى الأموال ، وضيّق على المغاربة ودوامهم القتال على خندق مدينتهم ، يعنى الشريف بمدينتهم القاهرة المعزيّة ، قال : فذكر أنّه هزمهم حتى عبر الخندق فامتنعوا منه بالسور ، وعظم ذلك على المعز لدين اللَّه وتحيّر في أمره ، ولم يجسر أن يخرج بعسكره خارج الخندق ، قال : وكان ابن الجرّاح الطائي في جمع عظيم مع الحسن بن أحمد القرمطي ، وكان قوة لعسكره ومنعة ومقدّمة ، فنظر القوم فإذا ليس لهم بالحسن بن أحمد طاقة ، ففكَّروا في أمره فلم يجدوا لهم حيلة غير فلّ عسكره ، وعلموا أنّه لا يقدر على فلَّه إلا بابن الجراح ، وأنّ ذلك لا يتمّ إلا ببذل ما يطلبه من المال ، فراسلوا ابن الجرّاح وبذلوا له مائة ألف دينار ، على أن يفلّ لهم عسكر القرمطي فأجابهم إلى ذلك ، ثم إنهم فكروا في أمر المال فاستعظموه ، فعملوا دنانير من النحاس وطلوها بالذهب وجعلوها في أكياس ، وجعلوا على رأس كل كيس منها دنانير يسيرة من الذهب تغطي ما تحتها وشدّوها وحملت لابن الجراح بعد أن استوثقوا منه ، وعاهدوه ألا يغدر بهم إذا وصل إليه المال ، فلما وصل إليه المال عمل على فلّ عسكره ، وتقدم إلى كبراء أصحابه بأن يتبعوه إذا تواقف العسكران ، وقامت الحرب فلما اشتدّ القتال ولىّ ابن الجرّاح منهزما ، واتّبعه أصحابه في جمع كثير ، فلما نظر إليه القرمطي قد انهزم بعد الاستظهار تحيّر ولزمه أن يقاتل هو ومن معه فاجتهد في القتال حتى تخلص ، ولم تكن له بهم طاقة وكانوا قد بادروه من كل جانب ، فخشى على نفسه وانهزم
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 312
مساهمون: النويري
ص٣١٢