من كراديس العراق إنسانا ، وشهد اليرموك ألف رجل من الصحابة ، فيهم من أهل بدر نحو المائة . فقال رجل لخالد : ما أكثر الروم وأقلّ المسلمين ! فقال خالد : ما أكثر المسلمين وأقلّ الروم ! وإنّما تكثر الجنود بالنّصر ، وتقلّ بالخذلان ، لا بعدد الرّجال .
ثم أمّر خالد عكرمة والقعقاع بن عمرو - وكانا مجنّبنى القلب - فأنشبا القتال ، فنشب والتحم الناس ، وتطارد الفرسان ؛ فإنّهم على ذلك إذ قدم البريد من المدينة ، فسأله النّاس عن الخبر ، فأخبرهم بسلامة وأمداد تقبل إليهم ؛ وإنّما كان قد جاء بموت أبى بكر وتأمير أبى عبيدة ، فأبلغوه خالدا ، فأخبره بوفاة أبى بكر سرّا ، وأخبره بالَّذى أخبر به الجند ، فشكره وأخذ الكتاب ، فجعله في كنانته . وخرج جرجة [ 1 ] من عسكر الرّوم ، وكان أحد عظمائهم ، فوقف بين الصّفّين ليخرج إلى خالد ، فخرج إليه ، وأقام أبا عبيدة مكانه ، فواقفه بين الصفّين حتى اختلفت أعناق دابّتيهما ، وقد أمن كلّ منهما صاحبة .
فقال جرجة : يا خالد ، اصدقنى ولا تكذبني ، فإن الحرّ لا يكذب ، ولا تخادعنى ، فإن الكريم لا يخادع المسترسل ، قد أنزل اللَّه على نبيكم سيفا ، فأعطاه لك ، فلا تسلَّه على قوم إلَّا هزمهم اللَّه ! قال : لا ، قال : ففيم سمّيت سيف اللَّه ؟ قال :
إنّ اللَّه بعث فينا نبيّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فدعانا ، فنفرنا منه ، ثم إن بعضنا صدّقه وبعضنا باعده وكذّبه ، فكنت ممّن كذّبه وقاتله
هامش
[ 1 ] ص : « جرحة » .