ذكر وفد جعفى
قال ابن سعد : وفد إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم رجلان من جعفىّ « 1 » ، وهما قيس بن سلمة بن شراحيل ، وسلمة بن يزيد ، وهما أخوان لأم ، وأمهما مليكة بنت الحلو بن مالك ، فأسلما فقال لهما رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « بلغني أنكم لا تأكلون القلب » وكانوا يحرّمون أكله ، فقالا : نعم ، قال : « فإنه لا يكمل إسلامكم إلا بأكله » ودعا بقلب فشوى ، ثم ناوله سلمة فلما أخذه أرعدت يده فقال له : « كله » فأكله ، وقال :
على أنّى أكلت القلب كرها
وترعد حين مسّته بنانى
ثم قالا : يا رسول اللَّه ، إنّ أمّنا مليكة بنت الحلو كانت تفكّ العاني ، وتطعم البائس ، وترحم المسكين ، وأنها ماتت وقد وأدت « 2 » بنية لها صغيرة ، فما حالها ، ؟
قال : « الوائدة والموؤودة في النار « 3 » » فقاما مغضبين ، فقال : « إلىّ فارجعا » فقال : « وأمّى مع أمّكما « 4 » » فأبيا ومضيا ، وهما يقولان : واللَّه إنّ رجلا أطعمنا
هامش
« 1 » جعفى ( ككرسى ) : ابن سعد العشيرة بن مذحج .
« 2 » الوأد ، من صفات الجاهلية : وهو قتل الجارية دفنا وهى حية ، وسميت موؤودة لما يطرح عليها من التراب فيئودها - أي يثقلها - حتى تموت . راجع ج 10 ص 117 وج 19 ص 230 قرطبى .
« 3 » الذي ثبت عنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال في صغار المشركين : « سألت ربى ألا يعذب اللاهين من ذرية البشر فأعطانيهم » وقوله : « وسألت ربى فأعطاني أولاد المشركين خدما لأهل الجنة » وذلك أنهم لم يدركوا ما أدرك آباؤهم من الشرك واللَّه لا يظلم أحدا ولا تعذيب إلا بعد التكليف ، ولأنهم في الميثاق الأوّل . ولعل هذا الحديث - إن صح - قاله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قبل أن يخبر بعدم تعذيب الأطفال .
« 4 » هذا ينافي ما روى أن والدته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ماتت على الحنيفية ، وأنها اعترفت ببعث ابنها بالإسلام من عند اللَّه ، وأنها نهنه عن الأصنام وموالاتها ، وهذا من التوحيد ، وقد روى أنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أحيا اللَّه له أبويه فآمنا به ، وإن صح هذا فهو من خصائصه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وقد قال اللَّه تعالى له : « ولسوف يعطيك ربك فترضى » راجع شرح المواهب ج 1 ص 199