تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
بالتقوى متواضعين ، يوقّرون فيه الكبير ويرحمون الصغير ، ويرفدون « 1 » ذا الحاجة ويرحمون الغريب . فسألته عن سيرته صلَّى اللَّه عليه وسلم في جلسائه ، فقال : كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم دائم البشر ، سهل الخلق ، ليّن الجانب ، ليس بفظَّ ولا غليظ ، ولا سخّاب « 2 » ولا فحاش ، ولا عيّاب ، ولا مدّاح ، يتغافل عما لا يشتهى ولا يؤيس منه ، قد ترك نفسه من ثلاث : الرياء ، والإكثار ، وما لا يعنيه ، وترك الناس من ثلاث : كان لا يذمّ أحدا ولا يعيّره ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه ، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤسهم الطير ، وإذا سكت تكلموا ، لا يتنازعون عنده الحديث ، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ ، حديثهم حديث أوّلهم ، يضحك مما يضحكون منه ، ويعجب مما يعجبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق ، ويقول : « إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه » ولا يطلب الثناء « 3 » إلا من مكافئ ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام . هنا انتهى حديث سفيان بن وكيع . وزاد الآخر ؛ قلت : كيف كان سكوته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ؟ قال : كان سكوته على أربع : على الحلم والحذر والتقدير والتفكَّر ، فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس ، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى ، وجمع له الحلم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في الصبر ، فكان لا يغضبه شئ يستفزّه . وجمع له في الحذر أربع : أخذه بالحسن ، ليقتدى به ، وتركه القبيح لينتهى عنه ، واجتهاد الرأي بما أصلح أمّته ، والقيام لهم بما جمع لهم أمر الدنيا والآخرة . صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . فهذه جملة كافية من أوصافه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فلنذكر أحواله .
هامش
« 1 » يرفدون : يعينون . « 2 » تقدّم شرح هذه الكلمات . « 3 » الثناء : في هامش ج : « قوله : ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ : قيل مقتصد في بيانه ومدحه ، وقيل إلا من مسلم ، وقيل إلا من مكافئ على يد قد سبقت من النبىّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم له » . وفى الأصول : النبأ ، وهو تصحيف .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 278 | النويري