قال محمد بن إسحاق : وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ، ودرس كتبهم ، حتى حسن علمه في دينهم ، فكانت ملوك الرّوم من أهل النّصرانية قد شرّفوه وموّلوه وأخدموه ، وبنوا له الكنائس ، وبسطوا عليه الكرامات ؛ لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم ، فلما وجّهوا إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من نجران ، جلس أبو حارثة على بغلة له ، وإلى جنبه أخوه كوز ، - ويقال فيه كرز « 1 » - فعثرت بغلة أبى حارثة ، فقال كوز : تعس الأبعد ، يريد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فقال له أبو حارثة : بل أنت تعست . فقال : ولم يا أخي ؟ قال : واللَّه إنّه للنبىّ الذي كنا ننتظره . فقال له كوز : فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا ؟ قال : ما صنع بنا هؤلاء القوم ؛ شرّفونا وموّلونا وأكرمونا ، وقد أبوا إلَّا خلافه ، فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى . فأضمر عليها منه كوز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك ، فكان يحدّث عنه هذا الحديث .
قال أبو محمد عبد الملك بن هشام : وبلغنى أنّ رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتبا عندهم ، فكلما مات رئيس منهم وأفضت الرياسة إلى غيره ، ختم على تلك الكتب خاتما مع الخواتم التي قبله ولم يكسرها ، فخرج الرئيس الذي كان على عهد النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يمشى فعثر ، فقال ابنه : تعس الأبعد - يريد النبىّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم - فقال له أبوه : لا تفعل فإنه نبىّ واسمه في الوضائع - يعنى الكتب - فلما مات لم يكن لابنه همّة إلا أن كسر الخواتم ، فوجد في الكتب ذكر النبىّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فأسلم وحسن إسلامه فحجّ ، وهو الذي يقول :
إليك تعدو قلقا وضينها
هامش
« 1 » في الأصول وابن هشام « كور » وما أثبتناه هما الروايتان المعروفتان في اسم ابن علقمة ( راجع القاموس مادتى كوز ، وكرز ) والإصابة وأسد الغابة .