صلى اللَّه عليه وسلَّم رحل رثّ عليه قطيفة لا تساوى أربعة دراهم ، وقال : « اللهم اجعله حجّا لا رياء فيه ولا سمعة » ، فدخل من أعلى مكة من كداء حتى انتهى إلى باب بنى شيبة ، فلما رأى البيت رفع يديه فقال : « اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة ، وزد من شرّفه وعظَّمه ممّن حجّه واعتمره تشريفا وتكريما ومهابة وتعظيما وبرّا » ؛ ثم بدأ فطاف بالبيت ، ورمل « 1 » ثلاثة أشواط من الحجر إلى الحجر ، وهو مضطبع « 2 » بردائه ، ثم صلَّى خلف المقام ركعتين ، ثم سعى بين الصفا والمروة على راحلته من فوره ذلك ، وكان قد اضطرب بالأبطح ، فرجع إلى منزله ، فلما كان قبل يوم التروية بيوم خطب بمكة بعد الظهر ، ثم خرج يوم التروية إلى منى ، فبات بها ، ثم غدا إلى عرفات ، فوقف بالهضاب منها ، وقال : « كلّ عرفة [ موقف إلَّا بطن عرنة « 3 » ] » ، فوقف على راحلته يدعو ، فلما غربت الشمس دفع فجعل يسير العنق « 4 » حتى جاء المزدلفة ، فنزل قريبا من الغار ، فصلى المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ، ثم بات بها ، فلما برق الفجر صلَّى الصبح ، ثم ركب راحلته ، فوقف على قزح « 5 » وقال : « كلّ المزدلفة موقف إلَّا بطن محسّر « 6 » » ، ثم دفع قبل طلوع الشمس ، فلما بلغ إلى محسر أوضع « 7 » ، ولم يزل يلَّبى حتى رمى جمرة العقبة ، ثم نحر الهدى وحلق رأسه ، وأخذ من شاربه وعارضيه ، وقلم أظفاره ، وأمر بشعره وأظفاره أن تدفن ، ثم أصاب الطَّيب ، ولبس القميص ، ونادى مناديه بمنّى : إنها أيّام أكل وشرب وباءة ، وجعل يرمى الجمار في كلّ يوم عند زوال الشمس ، ثم خطب الغد من يوم النّحر بعد الظهر
هامش
« 1 » رمل : هرول .
« 2 » اضطبع بردائه : أدخله تحت إبطه الأيمن ورد طرفه على يساره وأبدى منكبه الأيمن وغطى الأيسر .
« 3 » الزيادة عن ابن سعد ج 2 : 125 .
« 4 » العنق بالتحريك : ضرب من السير .
« 5 » قزح كعمر : جبل بالمزدلفة .
« 6 » بطن محسر : واد بالمزدلفة .
« 7 » من الوضع محركة ، وهو أهون سير الدواب .