مراتبهم . وهو أوّل من عمل له الحمّام من ملوك مصر . وكان كثير النكاح ؛ تزوّج عدّة نساء من بنات عمه وبنات الكهنة ، وجعل لكل امرأة منهن مكانا بجميع ما يصلحه من البنيان العجيب والصور المتقنة والغروس الحسنة والآلات العجيبة ، وأسكنهنّ فيها . وقد قال بعض أهل الأثر : إنه الذي بنى منف لبناته وكنّ ثلاثين بنتا ونقلهنّ إليها ، وعمل مدنا غيرها ومصانع ، وعمل هيكلا لصور الكواكب وأصنامها على ثمانية فراسخ من منف ، وعمل بتلك الناحية طلَّسمات كثيرة وعجائب أغرب فيها بفضل حكمة أبيه وجدّه ، وعمل في السنة اثنى عشر عيدا لكل شهر عيد يعمل فيه من الأعمال ما كان موافقا لبرج ذلك الشهر ؛ وكان يطعم الناس في تلك الأعياد ويوسّع عليهم ، ففرح الناس به ورأوا معه ما لم يروه مع غيره ، وفتح عليه من المعادن ما لم يفتح على أحد ، وألزم أصحاب الكيمياء العمل فكانوا لا يفترون ليلا ولا نهارا ؛ فاجتمع عنده أموال عظيمة وجوهر كثير وزجاج نفيس مسبوك وغير ذلك ، فأحبّ كنزه فدعا أخاله فقال له : قد ترى كثرة هذا الذهب والجوهر ، وما عمل من هذه التماثيل الكثيرة ، ولست آمن أن يتسامع بنا الملوك فيغزونا من أجله ، فأمعن في أرض الغرب ثم انظر مكانا حريزا خفىّ الأثر ثم أحرزه فيه ثم استره بعلامات واكتب صفة المكان وطريقه وعلامته . قال : ويقول أهل الأثر : إنه حمل معه اثنتي عشرة ألف عجلة ، منها من الجوهر ثلاثمائة عجلة ، وسائرها من الذهب الإبريز الصفائح والمضروب ، ومن آلات الملوك وطرائفهم وسلاحهم وأوانيهم ؛ فسار في الجنوب يوما ثم أخذ مغرّبا اليوم الثاني وبعض الثالث ، فانتهى إلى جبل أسود منيف ليس له مصعد بين جبال مستديرة حوله ، فعمل تحت ذلك الجبل أسرابا ومغاور ودفن فيها ما كان معه وردمها وزبر عليها ورجع ؛ فمكث أربع سنين يبعث كل سنة عجلا عظيمة تدفن في نواح شتّى .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 64
مساهمون: النويري
ص٦٤