تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
فقالوا له : من أنت ؟ فانتسب لهما ، ففرحا به وأقبلا على خاله - وقد كان جعل الجعائل لمن يأتيه به - فلمّا أتياه به قال جذيمة لهما : لكما حكمكما . فقالا : منادمتك . فكانا كما اختارا ، وسار بهما المثل . ويقال : إنهما نادماه أربعين سنة ، فما أعادا عليه حديثا مما حدّثاه به مرّة أخرى ، بل كانا يحدّثانه بحديث جديد لم يسمعه منهما قبل . وعمرو هذا هو الذي أخذ بثأر خاله جذيمة من الزّبّاء وقتلها . وذلك أنّ قصير ابن سعد كان من غلمان جذيمة قال لعمرو : اضرب ظهري واقطع أرنبة أنفى واتركنى والزّبّاء ، فإنّى سأحتال لك عليها ، ففعل به ذلك ، ففرّ قصير إلى الزّبّاء وصار في جملة رجالها وأراها النصح والاجتهاد في حوائجها ، وأنه غاشّ لعمرو ابن عدىّ ؛ وجعل يتّجر لها ويذهب لعمرو في السرّ فيعطيه الأموال فيأتيها بها ، كأنّ ذلك من اجتهاده وحذقه في التجارة حتى اطمأنّت له ؛ فذهب إلى عمرو وأخذه وأخذ معه ألفي رجل وجعلهم في جوالق على ألف جمل ، ومعهم دروعهم وسيوفهم وجاء بهم على طريق يقال له الغوير « 1 » ، ولم يكن يسلكه قبل ذلك ، فلمّا قرب من حصنها تقدّم إليها وأعلمها أنه قد أتاها بمال صامت ، فأشرفت من أعلى قصرها تنظر إلى الجمال ، فرأتها وكأنّها تنزع أرجلها من أوحال لثقل ما عليها ، فقالت : « عسى الغوير أبؤسا » . فذهبت مثلا . ثم قالت :
ما للمطايا مشيها وئيدا أجندلا يحملن أم حديدا أم صرفانا « 2 » باردا شديدا أم الرّجال جثّما قعودا
هامش
« 1 » الغوير : موضع على الفرات . « 2 » صرفانا باردا : قال في شرح القاموس ( مادة صرف ) : « الصرفان ( محركة ) : الموت عن ابن الأعرابي ، وقال ابن عباد : هو النحاس ، وفى اللسان : الرصاص القلعىّ ، وبهما فسر قول الزباء :« ما للجمال مشيها وئيدا »وذكر البيتين ، متابعا في ذلك ما جاء في اللسان ( مادة صرف ) مع بعض تغيير في اللفظ . ثم قال بعد ذلك : « وقيل الصرفان هنا : تمر رزين مثل البرنى لأنه صلب المضاغ علك ، والناس يدّخرونه » . ولعل تفسير البيتين بالتمر أنسب ؛ فإن شارح القاموس قال بعد ذلك : قال أبو عبيد : ولم يكن يهدى للزباء شئ أحب إليها من التمر الصرفان وأنشد :ولما أتتها العير قالت أبارد من التمر أم هذا حديد وجندلوقد ذكر صاحب اللسان قول أبى عبيد والبيت الذي أنشده . وقال الجوهرىّ في الصحاح ( مادة صرف ) : والصرفان : الرصاص ، والصرفان أيضا : جنس من التمر قالت الزباء :ما للجمال مشيها وئيداالخ
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 317 | النويري