فاضّطرب فيه ، ثم أومأت إليه أو صفّرت فوقع في جام المسك فتمرّغ فيه ، ثم أومأت فطار حتى نزل على تاج جبلة ، فلم يزل يرفرف حتى نفض ما عليه في رأسه ، فضحك جبلة سرورا به ، ثم التفت إلى الجواري اللواتي عن يمينه وقال لهنّ : باللَّه أضحكننا ، فاندفعن يغنّين بخفق عيدانهنّ ويقلن :
للَّه درّ عصابة نادمتهم
يوما بجلَّق « 1 » في الزّمان الأوّل
يسقون من ورد البريص « 2 » عليهم
بردى « 3 » يصفّق بالرّحيق السّلسّل
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم
لا يسألون عن السّواد المقبل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم
شمّ الأنوف من الطَّراز الأوّل
أولاد جفنة عند قبر أبيهم
قبر ابن مارية « 4 » الكريم المفضل
قال : فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال : أتدري من يقول هذا ؟ قلت لا ؛ قال : حسان بن ثابت ، ثم أشار إلى الجواري اللواتي عن يساره فقال لهنّ : باللَّه أبكيننا ، فاندفعن يغنّين بخفق عيدانهنّ ويقلن :
لمن الدار أقفرت بمعان « 5 »
بين أعلى اليرموك « 6 » فالخمّان « 7 »
ذاك مغنى لآل جفنة في الدهر
وحقّ تعاقب الأزمان
هامش
« 1 » جلق ( بكسرتين وتشديد اللام ) : هو أسم لكورة الغوطة كلها ، وقيل : بل هي دمشق نفسها ، وقيل : موضع من قرى دمشق .
« 2 » البريص : أسم غوطة دمشق .
« 3 » بردى : نهر دمشق .
« 4 » ابن مارية : هو الحارث بن أبي شمر الغساني ، وكان أثيرا عندهم .
« 5 » معان ( بضم أوّله ) : حصن كبير من أرض فلسطين على خمسة أيام من دمشق في طريق مكة .
« 6 » اليرموك : واد بناحية الشام ، وكانت فيه الواقعة المشهورة التي عرفت بيوم اليرموك في زمن عمر ابن الخطاب رضى اللَّه عنه ، وكان من أعظم فتوح المسلمين .
« 7 » الخمان ( بفتح أوّله وتشديد ثانيه ) : موضع بالشام .