تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
ويحكى عن أفلاطون أنه كان يصوّر له صورة إنسان لم يره قطَّ ولا عرفه فيقول : صاحب هذه الصورة من أخلاقه كذا ، ومن هيئته كذا ، فيكون الرجل كما أخبر عنه ، فيقال : إنه صوّر له صورة نفسه ، فلمّا عاينها قال : هذا رجل محبّ في الزنا فقيل له : إنها صورتك ، فقال : نعم أنا كذلك ، ولولا أنى أملك نفسي لفعلت وإني لمحبّ فيه . نرجع إلى أخبار الإسكندر فيما كتب به إلى أرسطاطاليس وما أجابه به قالوا : إنه كتب اليه يخبره أنّ في عسكره من الروم جماعة من خاصّته لا يأمنهم على نفسه لما يرى من بعدهممهم في شجاعتهم وكثرة آلتهم ، وأنه لا يرى لهم عقولا تفي بتلك الفضائل التي تمنعهم من الإقدام والجرأة عليه ، وأنه يكره الإقدام عليهم بالقتل بمجرّد الظَّنّة مع وجوب الحرمة . فكتب إليه أرسطاطاليس : قد فهمت كتابك ، وما وصفت به أصحابك . أمّا ما ذكرت من بعد هممهم فإنّ الوفاء من بعد الهمّة . وأمّا ما ذكرت من شجاعتهم ونقص عقولهم عنها ، فمن كانت هذه حاله فرفّهه في معيشته واخصصه بحسان النساء ، فإنّ رفاهية العيش توهن العزم ، وتحبب السلامة ، وتباعد من ركوب الخطر والغرر « 1 » ، وليكن خلقك حسنا تخلص إليك النيّات ، ولا تتناول من لذيذ العيش ما لا يمكن أوساط إخوتك مثله ، فليس ينبغي مع الاستئثار محبّة ، ولا مع المواساة بغضة . واعلم أنّ المملوك إذا اشترى لم يسأل عن مال مولاه ، وإنما يسأل عن خلقه .
هامش
« 1 » الغرر ( محركة ) : التعريض للهلكة .