يا أيها الناس ، إني قد نصبت « 1 » لكم كما رأيتم ، ولقيت ما قد علمتم بالسيف والرّمح والمفاوز والبحار والسهولة والجبال ؛ أقارع عدوّا عدوّا ، وأكالب جندا جندا ، وأكابد ملكا ملكا ، لم أتضرّع إليكم هذا التضرّع في قتال أولئك الجنود والملوك ، ولم أسألكم هذه المسألة في طلب الجدّ منكم ، والاجتهاد والاحتفال والاحتشاد ، وإنما فعلت هذا لعظم خطره ، وشدّة شوكته ، ومخافة صولته بكم . وإن أنا أيها الناس لم أغلب هذا العدوّ وأنفه عنكم ، فقد أبقيت فيكم أكبر الأعداء ، ونفيت عنكم أضعفها ، فأعينونى على نفى هذا العدوّ المخوف عليكم ، القريب الدار منكم ؛ فأنشدكم اللَّه أيها الناس لمّا أعنتموتى عليه حتى أنفيه عنكم ، وأخرجه من بين أظهركم فيتمّ بلائي عندكم ، وبلاء اللَّه فيكم عندي ، وتتمّ النعمة علىّ وعليكم ، والكرامة من اللَّه لي ولكم ، ويتمّ هذا العز والنصر ، وهذا الشرف والتمكين ، وهذه الثروة والمنزلة .
يا أيها الناس ، إني تفكرت بعد فراغى من كتابي هذا ، وما وصفت من نعمة اللَّه علينا في الأمر الذي لمّا غلب دارا الملوك والأمم وقهرها ، واستولى على بلادها ، ولمّا تحكَّم أمر هذا العدوّ ، هلك وهلكت جنوده بعد السلامة والظَّفر والنصر والغلبة ؛ وذلك أنه لم يرض بالأمر الذي تمّ له به الملك ، واشتدّ به السلطان ، وقوى به على الأعداء ، وتمّت عليه به النعمة ، وفاضت عليه من وجوه الدنيا كلَّها الكرامة ، حتى احتال له بوجوه النميمة والبغي ؛ فدعا البغى الحسد « 2 » فتقوّى به وتمكَّن ، ودعا الحسد بغض أهل الفقر لأهل الغنى ، وأهل الخمول لأهل الشرف ؛ ثم أتاهم الإسكندر وهم على ذلك من تفرّق الأهواء ، واختلاف الأمور ، وظهور البغضاء
هامش
« 1 » نصبت : يقال نصب الرجل ( بكسر الصاد ) نصبا بفتحها : أعيا وتعب .
« 2 » في الأصول : فدعا البغى والحسد ، ولعل هذه الواو مقحمة من الناسخ .