تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
وقوّة العداوة فيما بينهم والفساد منهم . ثم ارتفع ذلك إلى أن قتله صاحب حرسه وأمينه على دمه ، للذي شمل قلوب العامة من الشر والضغينة ، ونبت فيها من العداوة والفرقة ، وكفى الإسكندر مؤنة نفسه ؛ وقد اتعظت بذلك اليوم وذكرته . يا أيها الناس ، فلا أسمعنّ في هذه النعمة تفرقا ولا بغيا ولا حسدا ظاهرا ، ولا وشاية ولا سعاية ، فإن اللَّه قد طهّر من ذلك أخلاقنا وملكنا ، وأكرم عنه ولا يتنا ، وما نلت ما نلت بنعمة ربنا وحمده بشئ من الأمور الخبيثة التي نفتها العلماء ، وعافتها الحكماء ؛ ولكن نلت هذه الرتبة بالصحة والسلامة ، والحب للرعية ، والوفاء والعدل والاستقامة والتؤدة . وإنما تركنا أن نأخذ عن هذه الأمم التي سميناها ، أعنى من الترك والبربر والزنج والجبال وغيرهم ، مثل ما أخذنا عن الهند والروم لظهور هذه الأخلاق فيهم وغلبتها عليهم . ولا تصلح أمة قط وملكها على ظهور هذه الأخلاق التي هي أعدى أعدائكم . يا أيها الناس ، إن فيما بسط اللَّه علينا بالسلامة والعافية والاستصلاح غنى لنا عما نطلب بهذه الأخلاق الرديئة المشئومة ؛ فأكفونى في ذلك أنفسكم ، فإنّ قهر هذه الأعداء أحبّ إلىّ وخير لكم من قهر أعدائكم من الترك والروم . فأما أنا أيها الناس فقد طبت نفسا بترك هذه الأمور ومحقها وقمعها ونفيها عنكم . يا أيها الناس ، إني قد أحببت أن أنفى عدوّكم الظاهر والباطن ؛ فأما الظاهر منهما فإنّا بحمد اللَّه ونعمته قد نفيناه وأعاننا اللَّه عليه وحصد لنا شوكته ، وأحسنتم فيه وأجملتم وآسيتم وأجهدتم ، فافعلوا في هذا العدوّ كما فعلتم في ذلك العدوّ ، واعملوا فيه كالذي عملتم في ذلك ، واحفظوا عنّى ما أوصيكم به فإني شفيق عليكم ناصح لكم . أيها الناس ، من أحيا هذه الأمور فينا فقد أفسد بلاءه عندنا بقتاله من كان يقاتلنا من أعدائنا ، فإن هذه أكثر مضرة ، وأشدّ شوكة ، وأعظم بلية ، وأضر تبعة .