تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
ولعمرى ما أعفى أهل الخراج من الظلم من أضرّ بالمقاتلة ، ولا كفّ الظلم عن المقاتلة من تعدّى على أهل الخراج . ولولا سفهاء الأساورة لأبقوا على أهل الخراج والبلاد إبقاء الرجل على ضيعته التي منها معيشته وحياته وقوّته ، ولولا جهّال أهل الخراج لكفّوا عن أنفسهم بعض ما يحتاجون إليه من المعايش إيثار للمقاتلة على أنفسهم . قال : ولما فرغنا من إصلاح العامة والخاصة بهذين الركنين من أهل الخراج والمقاتلة كان ذلك ثمرة العدل والحقّ الذي دبّر اللَّه العظيم خلائقه به ، وشكرت اللَّه على نعمته والمقاتلة في أداء حقه على مواهبه ، وأحكمنا أمر المقاتلة وأهل الخراج ببسط العدل ، وأقبلنا بعد ذلك على السّير والسّنن ، ثم بدأنا بالأعظم فالأعظم من أمورنا ، والأكبر فالأكبر عائدا على جندنا ورعيتنا ، ونظرنا في سير آبائنا من لدن بستاسف إلى ملك قباذ أقرب آبائنا . ثم لم نترك إصلاحا في شئ من ذلك إلا أخذناه ، ولا فساد إلا أعرضنا عنه ، ولم يدعنا حبّ الآباء إلى قبول ما لا خير فيه من السنن ، ولكنّا آثرنا حبّ اللَّه وشكره وطاعته . ولما فرغنا من النظر في سير آبائنا وبدأنا بهم ، وكانوا أحقّ بذلك ، فلم ندع خقا إلا آثرناه ، ووجدنا الحق أقرب القرابة . نظرنا في سير أهل الروم والهند فاصطفينا محمودها ، وجعلنا عيار « 1 » ذلك عقولنا ، وميزانه بأحلامنا ، فأخذنا من جميع ذلك ما زيّن سلطاننا ، وجعلناه سنة وعادة ، ولم تنازعنا أنفسنا إلى ما تميل به أهواؤنا ، وأعلمناهم ذلك وأخبرناهم به ، وكتبنا إليهم بما كرهنا لهم من السير ونهيناهم عنه وتقدّمنا إليهم فيه ؛ غير أنا لم نكره أحدا على غير دينه وملَّته ، ونحسدهم ما قبلنا ، ولا منع ذلك انقباض بعلم ما عندهم ، فإن الإقرار بمعرفة الحقّ
هامش
« 1 » عيار : العيار والمعيار ما جعل نظاما للشئ يقاس به ويسوى .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 206 | النويري