تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
فعدل الفرس عنه لسوء أثر يزدجرد فيهم وملَّكوا عليهم كسرى ، وهو رجل من عترة ساسان ، فاستعان بهرام جور بالعرب وأرسل إلى الفرس وأعلمهم إنكاره سيرة أبيه ، ووعدهم بإصلاح ما فسد ، وأنه إن مضى لملكه سنة ولم يف لهم بما بذل تبّرأ من الملك طائعا ، فمال اليه قوم وبقيت طائفة مع كسرى ، فتراضوا أن يوضع تاج الملك بين أسدين مشبلين فمن تناوله فهو الملك . وكان بهرام جور شجاعا بطلا ، فلما وقف هو وكسرى إلى جانب الأسدين هابهما كسرى ، فوثب بهرام جور فإذا هو على ظهر الأسد وعصر جنبيه بفخذيه ، فلما تمكَّن منه قبض على أذنيه ، ولم يزل يضرب رأس الأسد برأس الآخر حتى قتلهما . فكان كسرى أوّل من هتف به وأذعن له . فملك بهرام جور بن يزدجرد ؛ فأحسن السيرة ، وجلس سبعة أيام متوالية للجند والرعيّة ، يعدهم الخير من نفسه ويحضّهم على تقوى اللَّه وطاعته . وكان جلوسه على سرير الملك وهو ابن عشرين سنة ، فغبر زمانا وهو يحسن السيرة ، ويعمر البلاد ، ويدرّ الأرزاق ، ثم آثر اللهو على ذلك وكثرت خلواته بأصحاب الملاهي حتى كثرت عليه الملامة من أرباب دولته ، وطمع من حوله من الملوك في استباحة بلاده والغلبة على ملكه . وكان أوّل من سبق إلى مغالبته ومكاثرته خاقان ملك الترك ، وغزاه في مائتي ألف وخمسين ألفا من الأتراك ، فبلغ الفرس إقبال الترك في هذه الجموع العظيمة فهالهم ذلك ، ودخل على بهرام جور جماعة من عظماء الفرس وأهل الرأي والنجدة وقالوا : أيها الملك ، قد أرهقك من بائقة « 1 » عدوّك ما يشغلك عما أنت فيه من اللهو والتلذذ ، فتأهّب له لئلا يلحقك منه أمر يلزمك فيه مسبّة وعار . وكان بهرام لثقته بنفسه ورأيه يجيب القوم بأن يقول : اللَّه ربنا قوىّ ونحن أولياؤه . ثم يقبل على ما هو عليه من اللهو والصيد .
هامش
« 1 » الباثقة : الداهية .