وكان لا يقدر أحد من بطانته - وإن كان لطيف المنزلة منه - أن يشفع عنده لمن ابتلى به وإن كان ذنب المبتلى به يسيرا ، ولم يكن يأتمن أحدا على شئ ألبتّة ، ولا يكافئ على حسن البلاء . وكان يعتدّ بالخسيس من المعروف إذا أولاه ويستجزل ذلك ، فإن جسر على كلامه أحد في أمر قال له : ما قدر جعالتك في هذا الأمر الذي كلمتنا فيه ، وما الذي بذل لك بسببه ؟ وما أشبه ذلك . فلما اشتدت بليّة الناس به ، وكثرت إهانته للعظماء ، وأكثر من سفك الدماء ، واستعمل الضعفاء في الأعمال الشاقّة ، وحمّلهم ما لا طاقة لهم به ، تضرّعوا إلى اللَّه عز وجل وسألوه أن ينقذهم منه . فزعم الفرس أنه كان ذات يوم مطلعا من قصره إذ رأى فرسا عائرا لم ير مثله قط في الخيل من حسن الصورة وتمام الخلقة حتى وقف على بابه ، فتعجب الناس من ذلك ، فأمر يزدجرد أن يسرج ويلجم ويدخل عليه به ، فحاول السوّاس وأصحاب المراكيب أن يلجموه أو يسرجوه فعجزوا عن ذلك ، ولا مكَّنهم الفرس من نفسه ، فخرج يزدجرد بنفسه إلى الفرس وتقدم اليه وأسرجه وألجمه ولبّبه وهو لم يتحرّك ، فلما استدار ورفع ذنبه ليثفره « 1 » رمحه الفرس على فؤاده رمحة فهلك منها لساعته ، ثم لم يعاين الفرس بعد ذلك ؛ فأكثرت الفرس في حديثه فظنّوا الظنون . وكان أحسنهم مذهبا وأمثلهم طريقة من قال : إنما استجاب اللَّه عز وجل دعاءنا . فكان ملكه إلى أن هلك إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما . وقيل اثنتين وعشرين سنة غير شهرين .
قال : وكان ابنه بهرام جور في حجر النعمان بن المنذر بن ماء السماء أسلمه أبوه اليه ليرّبيه بالحيرة لصحة هوائها . وقد تقدّم خبره في ذكر بناء الخورنق « 2 » والسدير .
هامش
« 1 » أنفره : وضع الثفر تحت ذنبه . والثفر ( بالتحريك ويسكن ) السير الذي يوضع في مؤخر الرحل وتحت ذنب الدابة .
« 2 » راجع ( ج 1 ص 385 من هذه الطبعة ) .